محمود الهاشمي*
قبل ايام جمعتنا الصدفة في قاعة مستطيلة مطلة على نهر دجلة باحد كبار السياسيين في العراق ، سألته عن اسباب عدم حصول النخب المثقفة على ورقة (التسوية التاريخية) مع انها وصلت الى اعداء (التسوية) من اشخاص او وسائل اعلام فأجاب (اما سؤالكم بشأن ورقة التسوية وعدم عرضها على النخب المثقفة فيما عرضت على اخرين ، فذلك سيأتي لاحقا)!! قلت مع نفسي ومع زملائي (متى سيأتي هذا اللاحقا؟) هل سيأتي بعد ان تصفر الورقة وتتمزق بسبب تداولها من يد الى يد وان نسختها المنخورة ستقع بيد النخب المثقفة اخيرا ،ويكون كل شيء قد انتهى.؟ ترى كيف تنظر طبقة السياسيين في العراق الى مثقفي شعبها بكل عناوينهم واسمائهم من كتاب ومحللين سياسيين واكاديميين وادباء وووالخ؟ ترى كيف يصنع القرار في بلدي. ومن وراء صنعه وانتاجه؟ وهل ان سبب فشل العملية السياسية في بلدنا تعود لهذا الاستبداد الذي يتصف به سياسيونا؟ والذي جعلهم يعتقدون ان اخر من يستحق الاطلاع والمداولة هم المثقفون؟ لا اعرف سبب هذا العداء ودواعيه رغم الهزائم السياسية المتلاحقة وخروج التظاهرات العارمة المنددة بهذه الهزائم !!
مالفت نظري في سياسة الرئيس الاميركي (الحالي) ترامب انها بصخبها هذا فهي تمشي بسياق مدروس، جاء نتيجة الدراسات التي قدمتها مراكز القرار في الولايات المتحدة ،والتي باختصار تقول(اذا استمرت الولايات المتحدة بسياستها هذه ((التقليدية)) فانها ستفقد قوة وفعالية ادارتها للعالم وستخسر الكثير وتزرع في امبراطوريتها اسبابا للانهيار) .جاء ترامب (الموظف) المؤمن بالتغيير المطلوب لينهض بهذا المشروع الجديد القاضي باعادة انتاج الولايات المتحدة من جديد ولم شمل اطرافها بعد ان تمددت كثيرا ،وبدأت دول في الجانب الاخر من المحيط الهادي مثل الصين وجنوب شرق اسيا بالنهوض والتمدد على المصالح العليا الاميركية، وان اكبر تحدٍ يواجهه الاميركان هو (الهجرة) التي افقدت المجتمع الاميركي تركيزه المجتمعي ويكفي ان نشهد ان 11مليون مكسيكي دون اوراق رسمية يعيشون في اميركا ،وبدؤوا يشكلون ضغطا اقتصاديا ومجتمعيا على الدولة !!لاشك اننا لم نقرأ واقع امريكا ولا الغرب ونتائج الهجرة اليه ومديات تاثير ذلك على مستقبل هذه البلدان .وحتى اقرب الصور اكثر، تعالوا نسأل عن سبب التغييرات الدراماتيكية في العراق وسوريا وكأن سحرا لساحر غير العقلية الاميركية والتركية والسعودية والروسية والقطرية، لتسير الامور نحو الهدنة والتسوية ثم ستنتهي الى لغة الحوار بدلا من القتال ، وسيعود النازحون السوريون الى بلدانهم وكذلك العراقيون في سيناريو معد ومرتب . كل هذا جاء بالاستفادة من نخبهم ومراكز الدراسات التي توفر لصاحب القرار الحل الامثل وسرعان مايمتثل السياسيون للراي والا سيخسرون كل شيء ،ولنقرأ هذه الحلول التي قدمها الخبير الاميركي د.جيفري ساكس استاذ التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا الى الرئيس الاميركي الجديد في شهر تموز الماضي في معترك الانتخابات وماذا كان الرد. (يعتقد ما يقرب من نصف السكان في أوروبا والولايات المتحدة، عموما الناخبون من الطبقة العاملة، أن الهجرة هي خارج نطاق السيطرة، مما يشكل تهديدا على النظام العام والمعايير الثقافية. وهنا أود اقتراح عدة تدابير: الحد من مخاطر ثغرات ردود الفعل الكارثية على المدى القصير والتركيز على فوائد الإصلاحات على المدى الطويل.
أولا: ينبغي وقف موجة اللاجئين من خلال إنهاء الحرب السورية على الفور. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنهاء تحالف وكالة المخابرات المركزية العربية مع السعودية لإسقاط بشار الأسد، وبالتالي تمكين الأسد (بدعم من ايران وروسيا) من هزيمة (داعش) واستقرار سوريا (مع نهج مماثل في العراق). ان إدمان أميركا على تغيير النظام (في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا) هو السبب الرئيسي لأزمة اللاجئين في أوروبا. فمع إنهاء هذا الإدمان، سيتمكن اللاجئون الجدد من العودة إلى بيوتهم.
ثانيا: يجب وقف توسع حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا وجورجيا. ان الحرب الباردة الجديدة مع روسيا هي خطأ آخر مفتعل من قبل الولايات المتحدة مرفوقة بالكثير من السذاجة الأوروبية. ان اغلاق الباب في وجه توسع الناتو سيتيح تخفيف حدة التوتر وتطبيع العلاقات مع روسيا، وتثبيت أوكرانيا، واستعادة التركيز على الاقتصاد والمشروع الأوروبي.
ثالثا: لا ينبغي معاقبة بريطانيا. بدلا من ذلك، يجب على الشرطة الوطنية وحدود الاتحاد الأوروبي وقف المهاجرين غير الشرعيين. هذه ليست كراهية للأجانب أو عنصرية أو تعصب. من المنطق السليم أن تقول البلدان ذات أحكام الرعاية الاجتماعية الأكثر سخاء في العالم (أوروبا الغربية) لا للملايين (في الواقع لمئات الملايين) من المهاجرين. وينطبق الشيء نفسه على الولايات المتحدة.
رابعا، يجب استعادة الشعور بالإنصاف وإعطاء الفرصة للطبقة العاملة الساخطة والتي تم تقويض سبل عيشها بالأزمات المالية والاستعانة بمصادر خارجية للوظائف. وهذا يعني إتباع السياسة الديمقراطية الاٍجتماعية لمواصلة الإنفاق الاجتماعي الوافر للصحة والتعليم والتدريب والتكوين، ودعم الأسرة، والتي سيتم تمويلها عن طريق فرض ضرائب على الأغنياء وإغلاق الملا ذات الضريبية، التي تدمر الإيرادات العامة وتنشر الظلم الاقتصادي. كما يعني أيضا تخفيف عبء الديون على اليونان، وبالتالي إنهاء أزمة منطقة اليورو المستمرة منذ فترة طويلة.
خامسا: ينبغي تركيز الموارد، بما في ذلك المساعدات الإضافية، على التنمية الاٍقتصادية، بدلا من الحرب، في البلدان ذات الدخل المنخفض. ان نسبة الهجرة المطلقة من المناطق الفقيرة والتي تعاني من الصراع أصبحت ساحقة. وبغض النظر عن سياسات الهجرة، إذا تغير المناخ سيتفاقم الفقر المدقع والافتقار إلى المهارات والتعليم وإمكانية التنمية في أفريقيا وأميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى.
كل هذا يؤكد على الحاجة إلى الانتقال من استراتيجية الحرب إلى استراتيجية التنمية المستدامة، وخاصة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا. فالجدران والأسوار لن توقف الملايين من المهاجرين الفارين من العنف والفقر المدقع والجوع والمرض والجفاف والفيضانات وغيرها من العلل. التعاون العالمي فقط يستطيع فعل ذلك.) هذا ما اقترحه عليهم الخبير ،وهو مجرد استاذ جامعي مدير لمعهد للتنمية المستديمة ..وهاهم (السياسييون الاميركان) يأخذون بهذه المقترحات ،خطوة فخطوة ..دون ان يقولوا لصاحب المقترح (لاحقا سنطلعك على اوراقنا !) ..ان الولايات المتحدة تنفق المليارات سنويا على مراكز الدراسات الاستراتيجية سواء داخل البلد او في البلدان الاخرى .،وبهذه المراكز يدار العالم
وقد يتساءل المواطن : هل تؤثر مراكز الأبحاث فعلاً على صنّاع القرار؟ وقد وُجّه هذا السؤال للباحث والدبلوماسي الأمريكي المشهور، ريتشارد هاس، وقام بتوضيح كيف تكمّل مراكز الأبحاث المؤسسات القائمة، حيث إنّها تملأ الفجوة بين الحكومة والشعب فيقول: يتطلّب العمل الحكومي متابعة تفصيلية يومية؛ ممّا يحرم الموظفين الحكوميين (رجال السلطة)من الفرصة للتركيز، ومن وراحة البال، اللذين يعتبران من أهمّ عوامل العمل . )اي يجب عدم انشغال المسؤول بالحلول المتشعبة انما تضع له وفرة من الحلول ليختار الافضل ..والغريب ان سياسيينا يرسلون على النخب المثقفة للاطلاع على افكارهم ، وبعد ان يستمعوا لها بامعان يعملون بالضد منها تماما !! وان جلبهم فقط للاعلام .نقول ان لدينا مشاكل كبيرة ،تحتاح الى حلول ،مثل النظام السياسي في العراق ،والمحاصصة ،ومشاكل الاقليم ،ونتائج مابعد مرحلة (داعش) والعلاقات الخارجية ، وووالخ هذه تحتاج الى تشاور ودراسة وليست حلولا سريعة مرتجلة ..هذا الضعف في صناعة القرار جعل الاخرين يهزأون منا ،ويرونا صغارا ،فراحوا يتدخلون بالشأن العراقي بشكل سافر، ويصنعون لنا مستقبلنا وفق مقاساتهم واطماعهم. اذن ما الجدوى من الثقافة والجامعات والمدارس والمكتبات وووو اذا كان القائمون على البلد لايرون فيها ما ينفع؟.









