محمد توفيق علاوي
هل يمكن للعراق ان يستفيد من توجهات وسياسات ترامب ؟ لقد تحدث ترامب فيما لا يقل عن عشر مناسبات مختلفة خلال فترة حملته الإنتخابية في كلمات ومقابلات وبرامج مختلفة عن العراق .
لقد استخدم العبارات الاتية : {عندما ذهبنا إلى العراق كان علينا اخذ النفط ، فهناك مثل يقول بشان الحرب – المنتصر هو الذي يحصل على الغنائم-} وقال ايضاً {إذا كنا سنترك العراق فليكن النفط لنا/ لو عاد الامر الي فسااخذ نفط العراق} وقال (اقل ما يجب على ين دفعه لنا هو 1.5 ترليون دولار مقابل تحريرهم) وقال ايضاً (سوف ااخذ ثروتهم، سوف ااخذ النفط ).
من يفقه في السياسة يعلم ان هذه المطالب لا يمكن تحقيقها، وإنها قد قيلت اثناء فترة حملته الإنتخابية حيث انه ايضاً قال {إن فزت في الإنتخابات فساضع السيدة كلينتون في السجن لانها تهاونت حينما استخدمت الايميل العام} ولكنه بمجرد ان فاز في الإنتخابات قدم شكره لها واشاد بها، إن اللهجة التي تحدث بها بشان العراق تمثل عقلية المقاتلين الاميركان الجنوبيين اثناء الحرب الاهلية بين الولايات الشمالية والجنوبية بين عامي (١٨٦١-١٨٦٥) التي كانت تعطي ميزة للبيض وكانت ترفض إلغاء العبودية، ولكن هذه العقلية قد اخذت تسود مرة اخرى في اميركا بعد عدة سنوات من هجمات ١١ سبتمبر وإلإرهاب العالمي الذي تتصدره مجاميع خارجة عن الإسلام ويزعمون انهم يقاتلون باسم الإسلام من امثال القاعدة وداعش ومن لف لفهم، فضلاً عن الجرائم الكثيرة وعصابات المخدرات وتبييض الاموال في الجنوب والغرب الامريكي للكثير من الاميركان ذوي الاصول اللاتينية القادمين من المكسيك ودول اميركا الجنوبية، لقد لاقى خطاب ترامب قبولاً من قبل اعداد غفيرة من هؤلاء ولذلك قاموا بإنتخابه.
ولكن نتساءل هنا؛ هل إن ذلك الخطاب هو لمجرد الدعاية للحملة الإنتخابية؟ ام انه سيمثل عقلية الحكم للحقبة القادمة؟ الجواب: إنه وإن استخدمت الكثير من العبارات لاغراض إنتخابية، ولكن هذه السياسة ستمثل عقلية الحكم على الاقل لفترة السنين الاربع القادمة من حكم ترامب، إذا لم تمتد لثماني سنوات بعد اعادة انتخابه.
هل سيعاني ون من السياسات الامريكية القادمة؟ الجواب : ليس ذلك بالضرورة، ولكن الإهتمام الامريكي بمساعدة العراق على كافة الاصعدة سيقل بالتاكيد. نعم ستستمر المعونات والقروض الميسرة والمنح مادامت داعش موجودة؛ ولكن في اليوم الذي ستنتهي به داعش في العراق فحسب اعتقادي ستتقلص الكثير من تلك المعونات والمساعدات، ولكن الخطورة كل الخطورة هي في الدفع باتجاه تقسيم العراق، لقد قال ترامب ايضاً حينما ساله المعلق {اليس بهذه الطريقة انت تدمر ثروة العراق} فاجاب {لا يوجد-عراق- وعراقيون، إنهم منقسمون إلى فصائل مختلفة -ومتنازعة-}، إن كردستان سائرة نحو الإنفصال، وهناك جهات تدعو إلى قيام الإقليم الغربي وإقليم الموصل وإقليم البصرة واقليم الجنوب وكلها خطوات بإتجاه تقسيم العراق، وستقوم لا سمح الله، إن سمحنا بهذا المخطط نزاعات على الحدود والموارد الطبيعية والمياه. إن كردستان الآن بحكم الدولة المستقلة بحدودها وجيشها ومواردها، ويجمعهم الآن هدف الإستقلال، وبمجرد الإستقلال ستبرز لهم مشاكل اخرى على المستوى السياسي، وكذلك بالنسبة لعلاقاتهم بدول الجوار لا سيما تركيا وايران، سيبقي العراق من دون كردستان وإن إستقلوا عنه اقرب هذه الدول إليهم، فهم محترمون في العراق ورضي بهم ون لتسنم اعلى المناصب في الدولة؛ ولكنهم يعيشون حلماً انتظروه لعقود وهو الإستقلال ولهم بعض الحق في ذلك، ومن ثم بعد ذلك تشكيل كردستان الكبرى مع اكراد تركيا وإيران وسوريا، لقد عاش العرب نفس الاحلام في الوحدة العربية منذ خمسينيات القرن الماضي ، وتوفرت آيديولوجية وحدوية واحدة في دولتين تحت حكم حزب البعث في العراق وسوريا وكان شعارهم الاول هو الوحدة العربية، ولكن العرب عانوا الويلات من هذه الاحلام واضطروا للتخلي عن هذه الاحلام، فلا تكفي القوميات لقيام الدول، بل هناك شرطان اساسيان لقيام الوحدة، الاول هو عقلية الحكام في تغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة والثاني برنامج ديمقراطي حقيقي، ولهذا نجحت الوحدة الاوربية مع إختلاف قومياتهم ولغاتهم وتاريخهم الدموي؛ للاسف مثل هذه العقليات للحاكم والديمقراطية الحقيقية شبه معدومة في مجتمعاتنا؛ واقصد بالذات المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، ولعل المستقبل سيكون افضل بكثير بسبب زيادة وعي الجماهير.
ونعود مرة اخرى إلى سياسات ترامب؛ فمع كل السلبيات في خطابه تجاه العراق، ولكن لعله هناك مشتركات بين مقولات ترامب وبين بعض تطلعات اغلبية الشعب المستضعف الذي كان ولا يزال يعاني اغلب السنين منذ عام ٢٠٠٣ من السياسيين الفاسدين الذين سرقوا خيرات هذا الشعب وجعلوه يعيش في شظف من العيش وفقر وقتل وتهجير وتفجيرات واختطافات وسرقات، المسؤول الاول عن هذه المعاناة هم سياسيو الصدفة الذين اوصلونا إلى هذا الحال.
يقول ترامب بشان هؤلاء السياسيين {إن -الحكام في العراق- فاسدون، كل شيء فاسد تماماً} ويقول ايضاً {يقولون إن العراق ذو سيادة، الا ترون هؤلاء الناس- السياسيين- كيف ينهبون، هل هذه دولة ذات سيادة؟}، نعم قد يتحمل الاميركان وسياستهم في العراق مسؤولية كبيرة لواقعنا الماساوي الذي نعيشه، ولكن يبقى الإنسان الفاسد على سدة الحكم هو المسؤول الاول للمعاناة التي نعيشها، فهل هذا المشترك بين ترامب وبين تطلعات الشعب بشان الحكام الفاسدين يمكن ان يقود إلى تفاهم بين السياسيين المخلصين لبلدهم وترامب لإسترجاع ما نهبه المفسدون ؟ مع العلم إنه لا يمكننا إرجاع المبالغ المسروقة من دون التنسيق مع المؤسسات المصرفية الامريكية التي يمكنها وحدها فقط معرفة مآل الكثير من هذه الاموال المنهوبة ؟ هناك لقاء قريب ومتوقع بين رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وبين ترامب، فهل يمكن ان يسفر هذا اللقاء عن قرارات تحقق مصلحة البلدين؟ هذا ما ستكشفه الايام القادمة، وبغض النظر عن نتائج المحادثات مع ترامب، فالامر يحتاج إلى خطوة جريئة من قبل الدكتور حيدر العبادي وجلب شركات للتدقيق الجنائي (Forensic Auditing) لإسترجاع الاموال المنهوبة.
ومع ذلك اقول انه لا يمكننا ان ننهض ببلدنا إلا بالإعتماد على انفسنا؛ لا امريكا تنفعنا ولا ترامب ولا اي دولة اخرى؛ ثلاث مواصفات فقط مطلوبة لمن يجب ان يحكم البلد؛ الاول: النزاهة والإخلاص، والثاني: الكفاءة والقدرة، والثالث: الشجاعة والإقدام؛ والامر بيد الشعب فهو الذي يضع صوته في صناديق الإقتراع؛ ومتى ما ارادت الاغلبية من ابناء شعبنا التخلص من المفسدين فهي وحدها يمكنها تغيير سوء حالنا والنهوض ببلدنا؛ اما إذا بقيت الانفاس الطائفية هي المسيطرة، الشيعي ينتخب الشيعي والسني ينتخب السني والكردي ينتخب الكردي حتى ولو كان فاسداً فسنبقى على نفس حالنا، ولكن متى ما استعظم السني الجرائم التاريخية بحق الشيعة وغض الطرف عن جرائم جهلة الشيعة بحق السنة، ومتى ما إستعظم الشيعي جرائم الشيعة بحق السنة، ولم ياخذ السنة بجريرة داعش، وطبق الجميع مقولة السيد السيستاني اعزه الله (لا تقولوا اخواننا السنة، بل السنة هم انفسنا) حينها فقط يمكننا ان نتوقع مستقبلاً زاهراً للبلد؛ لعله المرحلة المقبلة ستكون افضل من سابقاتها، فقد اصبحت الغالبية من ابناء وطننا اكثر وعياً، وعلموا ان الشعارات الطائفية قد رفعت لتحقيق مصالح السياسيين الخاصة على مصالح المواطنين العامة سواء كانوا من سياسيي الشيعة او السنة، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، ونقول عسى ولعل الوعي بعد هذه السنين العجاف يتغلب على الطائفية المقيتة اعاذنا الله منها ومن تبعاتها.









