اراء وأفكار

على القوى الوطنية والديمقراطية استلهام العبر من هذه التجربة القاسية

علاء الماجد

 

تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية وهيأت الظروف المناسبة للإطاحة بعبد الكريم قاسم ، حيث بدأ الصراع بين قاسم وخصومه من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار والشخصيات السياسية من مختلف التيارات بسبب بعض الإجراءات التي اتخذها عبد الكريم قاسم ومنها اعلانه ضم الكويت للعراق سنة 1961. وبعد أن أحس القوميون والبعثيون بخطورة بقاء عبد الكريم قاسم بالحكم، وحقدهم على الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يريد للثورة ان تتجاوز مرحلة تسنم الحكم الى اقامة الدولة المدنية المؤسساتية وبناء الديمقراطية ، تحالفت هذه القوى ومعها بقايا العهد الملكي والامبريالية العالمية وعملاء الدول الاقليمية المتضررة من ثورة تموز مع بعضها لاسقاط الثورة . حيث تحول الصراع إلى صراع مسلح بين الفرقاء، وبدأت سلسلة من المحاولات لفرض المواقف ، أولها قيام العقيد عبد الوهاب الشواف بحركة عصيان مسلحة عرفت باسم حركة  الشواف في الموصل في 8 أيار من سنة 1959، والتي أخمدها  قاسم وأعدم منفذيها. وتلا ذلك استهداف قاسم من قبل حزب البعث في 7 تشرين الأول من سنة 1959 حيث تعرض إلى محاولة اغتيال في شارع الرشيد سببت له إصابات بليغة في كتفه، وبعد سلسلة من الاعتقالات والمداهمات أطلق قاسم شعاره “عفا الله عما سلف” . وقد كانت هذه السياسة التي انتهجها قاسم كفيلة بنجاح هذه القوى المعادية للثورة ان تجهض هذه التجربة في 8 شباط 1963 ، في انقلاب دموي فاشستي ادى الى ارتكاب جرائم يندى لها جبين الانسانية . وقد برر قادة انقلاب 8 شباط الاسود 1963 انقلابهم على عبد الكريم قاسم بسبب تحوله من زعيم للثورة إلى “دكتاتور” تفرد بالسلطة، فاستحوذ على مركز صناعة القرار حسب تبريراتهم التي تبخرت مع اعلان كبيرهم علي صالح السعدي : ( لقد جئنا بقطار امريكي ) .

لم تتح الفرصة الكافية لحكومة عبد الكريم قاسم للتعبير عن رأيها بالانقلاب لأن ذلك استغرق يوما واحدا تقريبا أصدر أثناءها قاسم بيانا شجبه ودعا لمقاومته من خلال خطاب مرتجل تم تسجيله تحت قصف الطائرات لمقره في وزارة الدفاع، حيث اعتبره حركة طائشة ينفذها أذناب الاستعمار وبعض الخونة والمفسدين لتحطيم النظام الجمهوري، قائلا بأن الانقلاب سوف يفشل بسبب قوته لأنه وحكومته لا يُقهران، بما أنه يعمل في سبيل الشعب وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة ودعا الجيش لتمزيق قادة الانقلاب قائلا: (مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وإنما النصر من عند الله، والله معنا، كونوا أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين) . لكن هذه الرسالة التي بعث بها الى مبنى الاذاعة لتبث للجماهير ، وقعت بيد الانقلابيين وبذلك اجبر قاسم على الاستسلام ، بعد ان حوصر في مقر وزارة الدفاع لتتم تصفيته واعدامه في محكمة صورية شكلها المجرم عبد الغني الراوي وعصابته من البعثيين المتطرفين , ان هذا الانقلاب الاسود الذي مرت ذكراه الرابعة والخمسين اليوم ، وذكرى استشهاد الزعيم في 9 / شباط ..  قد تركا اثرا كبيرا ومأساة كبيرة للشعب العراقي لايزال  يدفع ثمنها الى الان ، لذلك يتوجب على القوى الوطنية والديمقراطية ان تستلهم العبر من هذه التجربة القاسية ، وان تعمل على نبذ العداء والتهميش والالغاء من اجل عراق حر ديمقراطي مدني موحد يحترم حقوق الانسان واختياراته ، ويحافظ على كرامته  ، ويوفر له العيش الكريم .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان