اراء وأفكار

سلوك الاندساس

د. صادق السامرائي

 الدَّسُّ: إدخال الشيء من تحته. ودسّه يدسّه دسا إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة. دسستُ الشيء في التراب: أخفيته فيه. الدسيسُ: إخفاء المُكر , ومَن تدسه ليأتيك بالأخبار. ويسود في المجتمعات المتورطة بالديمقراطية مصطلح “المندسين” أو “المندسون” , ويتكرر على لسان أصحاب الكراسي في دولهم , أثناء وعقب أية تظاهرة يقوم بها الناس للمطالبة بحق من حقوقهم أو للإشارة إلى ظلم وقهر وإجحاف. وهذا الأسلوب  نمطية سلوكية إستبدادية تهدف إلى تجريد المتظاهرين أو المحتجين من غايتهم , وترويعهم وتخويفهم بما لا تحمد عُقباه , لكي يتحقق التردد وعدم تكرار التظاهر والإحتجاج. وعندما تكون التجمعات كبيرة ومليونية الأعداد يتفاقم سلوك الإندساس ويقترن بسفك الدماء , والفتك بالناس وإلقاء اللائمة على المندسين , الذين سيتم إختراع مسمياتهم وتوصيفاتهم , وفي جميع الأحوال ما ينجم عن ذلك من جرائم تسجل ضد مجهول. وفي واقع الحال أن الذي يندس ويرتكب جرائمه , في أغلب الأحيان يكون من الذين يمتون بصلة للذين تقوم التظاهرات والإحتجاجات ضدهم. والفرق بين الأنظمة المستبدة الباطشة والأنظمة المدعية بالديمقراطية , أن الأولى تقوم بجرائمها مباشرة وبدون خوف , أما الثانية فإنها تتبرقع بالديمقراطية وتتفنن باختلاق الوسائل الكفيلة بالبطش والترويع , ومن أكثرها القول بالإندساس. وقد تكرر هذا السلوك مرارا في المجتمع وأدى إلى ما أدى إليه من التداعيات الخطيرة الآثمة المدمرة للعباد والبلاد. ويبدو وفقا لفقه المتورطين بالديمقراطية , أن الجميع سيتحولون إلى مندسين وعدوانيين لتحقيق نبوءاتهم الكرسوية وتوجهاتهم السلطوية الفاسدة. إن فقه الإندساس يعطي المبررات والمسوغات الكفيلة بالإنقضاض على التظاهرات والإحتجاجات , فيكون المصابون والقتلى من المندسين أو ضحاياهم , ومَن ينزف دما قد يُحسب عليهم , وبذلك تكون السلطة قد دافعت عن المواطنين لأنها تستهدف المندسين , وبَعد وقت يتحول الجميع إلى مندسين وإن شئت إرهابيين , وفقا لمقتضيات الخراب والتدمير المبين. ولهذا فلا فائدة ترتجى من التظاهرات والإحتجاجات في مجتمعات تولى الأمر فيها مَن لا يفهم إلا في التمسك بالكرسي , ولا يعنيه من أمر الشعب شيئا , وما الديمقراطية في عرفه إلا أحد أساليب النفاق المعاصر الذي يجيد التعبير عنه بأمهر الوسائل والخطب والتصرفات, ما دام الناس مرهونين بهذه الشخصية أو بتلك. فكل شيء ديمقراطي إلا التظاهر والإحتجاج , والتعبير عن الرأي وقول الحق , فالديمقراطية أن تتبع وتخنع وتهون وتُمجّد الفساد , ويُستباح مالك وعرضك ووطنك ودينك وتأريخك ولغتك , وعليك أن تقول آمين والحمد لله رب العالمين!!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان