اراء وأفكار

الجريمة التي قبحت وجه التاريخ

خالد العبيدي

اكثر من خمسة عقود مضت والشعب العراقي لا يستطيع ان ينسى تلك الجريمة الدموية النكراء التي ارتكبتها عصابات البعث المجرمة في الثامن من شباط عام 1966 وما خلفت وراءها من ويلات وهموم، فهو مهما اراد تجاوزها او نسيانها الا انه غير قادر، لان لهذه الجريمة جذورا عميقة ليس من السهل اقتلاعها وقد تركت بصماتها في عمق التاريخ ولاتزال ذكرياتها عالقة في ذهنه وعقله وضميره لاسيما لدى من عاصرها وعاش احداثها وتحمل جزءا من اعبائها ومعاناتها، ولعله لم يكن مخطئا حينما نعتها بأبشع الاوصاف واعتبرها جريمة الاوغاد بعد ان كوته بنيرانها ولسعته بعض جمراتها اثناء اشتعالها ، تغنى بها البعثيون ومن وقف معهم من اقطاب النظام المقبور ودعاة القومية المزيفين وبعض من ارتدى عباءة الدين وهم ابعد ما يكونون عنه من الدجالين وبإشراف زعيم القومجية في مصر العربية والمخابرات الانكلو- امريكية ، وفاقت افعالهم وما ارتكبته اياديهم القذرة من جرائم واثام بحق العراقيين حتى من سبقهم من اقرانهم من الفاشست والنازيين الذين دمروا الحضارة وازهقوا ارواح الملايين من البشر، انها بحق جريمة ليس لها مثيل استهدفت ما حققته ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958  من مكاسب ومنجزات مما حدا بالجماهير الكادحة وكافة شرائح المجتمع لاحتضانها والدفاع عنها من أي خطر يتهددها لانهم وجدوا فيها ضالتهم واعتبروها سفينة النجاة التي من الممكن ان تسير بهم الى بر الامان وتحقق لهم اهدافهم وتطلعاتهم المستقبلية وتخلص العراق من  تبعات وارتباطات مشبوهة وتنقله الى مرحلة جديدة اساسها التقدم والتطور والازدهار، هذا ما اغتاض منه الاوغاد وخونة البلاد وعكر صفوهم وافقدهم عقلهم وجعلهم بحيرة من امرهم، وبدؤوا يتساءلون فيما بينهم كيف يمكن لهم ان يخترقوا جدار الثورة وينفذوا الى اعماقها لاجهاضها وتصفية منجزاتها وهناك الملايين ممن تولى حمايتها ولم تغفل ابصارهم عن مراقبتها؟ فلم يجدوا افضل من بث سمومهم وترويج اشاعاتهم لتشويه صورة الثورة، والتشكيك بنزاهة ووطنية رجالاتها فبدؤوا يشيعون بالسر والعلن بأن ما حدث هو ليس بثورة بل هي انقلاب عسكري قامت به مجموعة من الضباط المغامرين الساعين وراء المناصب والمال ،كلفتهم المملكة المتحدة البريطانية للقيام بهذا العمل، بعد ان شعرت بان النظام الملكي لم يعد مقبولا لدى الشعب، وان مصالحها باتت بخطر، ولكن هذه الشائعات لم تجد لها من يصدقها او اذانا تستمع اليها ، بعد ان عرفوا من هم وراءها وماهي اغراضها واهدافها؟ فكلما زاد خبث الخبثاء زادت الثورة من عطاءاتها، فلم يعد امام المتامرين الا اللجوء لنصب الشرائك والافخاخ ووضع المطبات والعراقيل امام مسيرتها، لعل هذا التوجه يخدم ويحقق لهم غايتهم ويوفر لهم السلالم للتسلق والعبور، ولكن حتى هذه الخطوات لم تحقق لهم شيئا بسبب همة الرجال وحرصهم على سلامة ثورتهم، ولولا الاخطاء التي ارتكبت في حينها واللامبالاة وتقييم النظام على انه جزء من معسكر القوى الثورية وركن اساسي من اركانها ، لما نجحت المؤامرة  ، ووصل منفذوها الى دفة الحكم؟ فمسلسل التآمر كان طويلا ومتشعب الحلقات، وبداياته قريبة الشبه بنهاياته، وحركة الشواف هي جزء وحلقة من حلقاته، لذلك لا نرى غرابة في سرعة افشالها ولكن هذه لا يعني ان البعثيين اصيبوا بخيبة امل بل حفزهم هذا الفشل للقيام بعمل جديد والرجوع الى الحلقة التالية، وهي استهداف حياة الزعيم عبد الكريم قاسم شخصيا باعتباره قائد الثورة فتصدت له مجموعة متعطشة للدماء واطلقت عليه النار، ولكن الله خيب ظنهم وافشل خطتهم لانهم كانوا على باطل، وهم صدام حسين وخالد علي الصالح واياد سعيد ثابت وشاكر محمود حليوه وسمير عبد العزيز النجم وسليم عيسى الزيبق وعبد الوهاب الغريري الذي تم قتله على يد الزعيم نفسه في حينه عندما اقترب من سيارته لاكمال جريمته، وهو يعاقبهم وينفذ احكام الاعدام الصادرة بحقهم، أمر بالعفو عنهم بعبارته المشهورة ( عفى الله عما سلف ) الامر الذي اثار غضب وسخط الجماهير واستياءهم واعتبروا هذا القرار تراجعا غير مسبوق، اعطى دعما للبعثيين ودفعة قوية الى امام للاستمرار بنهجهم ومواصلة عملهم وتحضيراتهم للمرحلة المقبلة، وجاءت كلمات شاعر العرب الكبير ( الجواهري ) عندما زاره في مستشفى دار السلام اثناء اصابته والتي هي ( فضيق الحبل واشدد من خناقهم ، فربما كان في ارخائه ضرر ) منسجمة مع تطلعات الجماهير ولكنه لم يستمع لها ونفذ ما كان يدور في راسه وهكذا وقع الفأس بالراس واصبح الجرح عميقا ولم يعد بالامكان إشفاؤه ، وبدأت مرحلة العمل من جديد وكانت البداية هي غلق المناطق وابعاد الشيوعيين عنها عن طريق الاعتداءات او التهديد، ثم الزحف لانتزاع النقابات والمنظمات من ناشطيها ثم القيام بعمليات الاغتيالات السياسية والتي شملت العديد من المناضلين من امثال ( الشهيد كامل قزانجي وغيره ) وكذلك التوجه للتسليح والتدريب وبمجرد ان تمكنوا من انجاح مؤامراتهم تحول العراق الى جحيم لا يطاق، واستمر نزيف الدم الذي لم يسلم منه حتى النساء، وامتلأت السجون بالمعتقلين والمعتقلات وتجاوز المتامرون على القيم والاخلاق واعتدوا على الاعراض، وكشفوا عن حقيقتهم بانهم منحرفون ، لقد كان العراقيون على حق حينما اعتبروا هذه الجريمة بانها احدى بوابات الجحيم وكارثة كبرى نزلت على رؤوسهم ودمرت حياتهم وسلمت بلادهم الى اعدائها الحقيقين وعلى الرغم من مضي كل هذه السنين لايزال هؤلاء المنحرفون على نفس توجهاتهم وسلوكهم ولم تغيرهم الاحداث فهم بدلا من الاعتراف بجريمتهم والاعتذار من شعبهم وطلب السماح والغفران منهم ، توجهوا نحو الارهاب وعرضوا عليهم خدماتهم ورغباتهم واستعدادهم  للتعاون والتنسيق معهم لتدمير العراق وذبح ابنائه ، فتسلموا المواقع القيادية لتنظيماته التكفيرية.
لهذا يتوجب على القوى الوطنية  التي يهمها امر البلاد ان تتخذ الحيطة والحذر وان لا تمتد لها يد التصالح والتسامح وتطوي صفحة الماضي ونسيان ما جرى فيه لان هؤلاء وهم الان مع حلفائهم الارهابيين  يفكرون بقلب موازين القوى وضرب العملية السياسية وتغيير مسارها نحو مصالحهم مستغلين ما تمر به البلاد من ازمات ووجود عناصرهم داخل مؤسسات الدولة والكتل السياسية المعروفة لدى الجميع، ومن الخطأ القول بأن هناك مجموعة معتدلة داخل صفوف البعثيين، والحقيقة التي  لا تقبل  دونها بديل انه لا يوجد بين البعثيين من هو معتدل او مستقيم، وهذا ما عرفتنا اياه الظروف التي عشناها معهم كل هذه السنين، ويفترض ان تكون هناك اجراءات وخطوات استباقية للحد من تحركاتهم وتحجيم قدراتهم والا فان الخطر قادم لا محالة وسيكون ضحيته كل من يثق بهم ويضع يده بأيديهم والتجربة خير دليل!! . 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان