اراء وأفكار

التطرف والغلو القبلي يغيِّب مشرفا تربويا

علي قاسم الكعبي

    في مشهد بات يتكرر باستمرار، إذ يتصاعد العنف في ارض نشأت فيها اقدم الحضارات واعرقها على وجه المعمورة، ومن طينها وقصبها كتبت اقدم القوانيين في العالم ليسود الأمن والامان,  نعم من تلك الاراضي السومرية الجنوبية الممزوجة بترابها فنا وادبا وإبداعا وبالتحديد من أرض الجنوب التي تتفجر شجاعة و كرما وعزة واباء وكبرياء وشموخا من العشائر الغيورة التي لم تهادن ولم تكل يوما او تساوم بل تقاوم والتاريخ لها شاهد حي. تصاعدت اعمال عنف همجية تنسف كل ما تقدم من وصف فقد وصل الامر الى قتل  النفس المحترمة والتهجير وسفك الدم بغير وجه حق ولأسباب كانت من نسق الجاهلية. قبل يومين، وبالتحديد في مركز محافظة ميسان حدثت جريمة بشعة عندما اغتيل احد المشرفين التربويين نتيجة خلاف عشائري لعشيرته مع احدى العشائر دون ان يكون له اي صلة بهذا الخلاف,  فقط لانه يحمل اسم تلك العشيرة لاغير  ,قتل الاستاذ وكان متوجها في  طريقة لأداء واجبه الرسمي  في زيارة احدى مدارس الاطفال  حيث كانت رصاصات الغدر تلاحقه  لحظة خروجه من منزله حتى ساعة الصفر، فاطلقت تلك الرصاصات وتناثر جسده الطاهر وكأنه عصفور ذبيح وقد تناثرت معه اوراق حقيبته التي كانت مليئة بالأوراق والاقلام الملونة والهدايا التي كان يروم توزيعها على الاطفال المتفوقين وابناء الشهداء، مما اثار تساؤلات عدة عن امكانية لجم هذا التمرد العشائري وإيقافه لأنه وصل الى حد التطرف وبات هاجس المواطن مصدر قلق وازعاج للجميع، فعندما يتصاعد الخطاب العشائري ويعلو فوق صوت القانون، عندها تعلم اننا سائرون نحو المجهول. نعم فللعشيرة مكانة محترمة وهي ايضا منظومة اجتماعية مهمة تساهم في حماية النظام والدولة, لكن عندما تتحول هذه المنظومة ذات القيم المثلى الى ادة قتل وتصبح معولا لتهديم الدولة ومؤسساتها وتصبح ملاذا امنا للفاسدين والخارجين عن القانون، عندها يقرع ناقوس الخطر ونطالب  جميعا بإيقافها عند حدها ومؤكد ان ذلك يحدث بسبب  ضعف الدولة وغياب القانون، فاذا كانت الدولة منشغلة وكما نعلم في محاربة القوى الظلامية فهذا يعني مزيد من الضبط والحزم وليس العكس. وهذا ما جعلنا نكتب وقلوبنا تعتصر الما، ففي الوقت الذي كانت هذه الدولة الفتية (عراق التغيير) بحاجة لهذه العشائر لتعضدها وان تقف معها وتساندها حتى تعبر الى الضفة الاخرى يحدث العكس!! نجد بعض العشائر لا تبحث الا عن نفسها وتفكر بعقلية الاستعمار والتمدد على حساب الاخرين , ولا تقيم وزنا للدولة او القانون مع انها هي الدولة والقانون معا ففي السابق كانت الحكومات التي تتسلط على رقاب المواطنين تأتي من غير اماكن المواطنين (من محافظات اخرى) لكن اليوم ترى كبار وصغار الموظفين هم من ابناء المحافظة فالسلطة التشريعية والتنفيذية والرقابية هي من تلك الطبقة الكادحة التي عانت ويلات الحقبة المظلمة .وعندما نستغرب ونتساءل كوننا نشعر بخيبة امل كبيرة جراء هذه الاوضاع فكنا نحلم سوية بان يسود القانون ويحل الامن والامان ونعيش حياة مدنية كريمة تحت ظل القانون يحترم بعضنا البعض يسودنا التفاهم، نعيش في بحبوحة هذه الحرية التي لم تأت الا بدماء طاهرة وزكية، وكانت العشائر في مقدمة المستشهدين . وعلى الرغم من حجم الرفض الذي رافق قانون العشائر وبرغم كونه يتعارض في بعض فقراته مع الحياة المدنية الا ان الضرورة تتطلب ان يعمل به عله يوقف هذا العنف القبلي وعزل كل من لا يتماشى مع اهداف هذا المجلس بنبذ العنف والتطرف العشائري وعندما نتحدث عن التطرف هذا لا يعني الاغلبية تسير في هذا الطريق، بل هنالك الكثير من العشائر الكريمة تقف بالضد من هذا التطرف وتمقته  كونه يؤسس للعودة الى البداوة وان العديد من العشائر الان تقف على السواتر الامامية لحماية البلد من امثال هؤلاء المتطرفين ذوي الايدولوجيات المنحرفة. فالبرلمان مطالب اليوم اكثر من ذي قبل بضرورة تشريع قانون حماية المعلم وتحجيم دور العشيرة ووضع الية لهذا السلاح المنفلت  وتجريم من يخالف، فليس من المعقول انا تقاتل الحكومة في الشمال وتطعن ظهورها من الخلف وعلى يد ابنائها! ومع اعتزازنا بعشائرنا الكريمة التي تقاتل الإرهاب فان للعشيرة مكانة خاصة ولكن ان لاتصل الى التقديس وهي تتعارض مع الحياة المدنية ذلك الحلم الذي كنا نتوقى الى ان نستظل بظله اذا ما علمنا ان الدولة وبصورة عامة تعتاش على خيرات ارض الجنوب، وهذا ما يبرر تخوفنا ودعوتنا الحكومة لإنقاذ  الوضع فاذا حدث لا سمح الله وتصاعدت حدة هذه الخلافات فإنها ستصيب الدولة جميعها بالشلل ،عندما يغادر المستثمر شركته وتتوقف الابار من ضخ البترول وجيشنا ينتظر الذخيرة والمدد عندها نصبح في وضع مأساوي فالتقارب بـ”التطرف”  يكون كبيرا بين ما يحدث في الجنوب وما يحدث في الشمال والغرب مع اختلاف أيديولوجي وعقائدي واضح!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان