ان قطاع التعليم الحيوي قد عانى ما عاناه في زمن الطاغية، حينما لم يحترم التعليم وتحول الى افكار وايديولوجيات فارغة المحتوى, بل الاكثر عندما جعل المؤسسة التربوية عبارة عن ثكنة عسكرية ولا يعد لها اي اهمية للدراسة بقدر ما يعدها مؤسسة لتجنيد الجيوش من الطلبة ومعلميهم, وتشوية افكارهم وتحويلها الى فكر البعث ولا غير ذلك, فما كان الا ان انهارت تلكم المؤسسة التعليمية وبقيت عبارة عن جدران متهالكة ليس الا وتفشت الامية. ومن تحت هذا الركام وكأن يداً من خلف الجدران تمتد لتطلق مشروع التعليم المسرع» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, للذين فاتهم التواصل مع الدراسة وللقضاء على التسرب و الأمية .وحتى نلم بالموضوع أكثر حملنا امتعتنا من الاسئلة الى من يهمهم الامر.
*التقينا بادئ رحلتنا بالسيد مدير تربية ميسان رياض مجبل الساعدي، حيث أفادنا بكيفية تبلور الفكرة وبدايات إنشائها فقال:
– لقد برزت خيوط الامل لتنسج حلم العودة الى صفوف الدراسة، ففي خطوة كبيرة وجريئة تم اطلاق مشروع التعليم المسرع من قبل منظمة اليونيسف وبالتعاون مع وزارة التربية العراقية، فبعد دراسة موسعة لشريحة التلاميذ الذين تركوا الدراسة، تمت المباشرة بالمشروع. والدراسة حسب هذا المشروع تكون في مدارس خاصة وبنظام خاص ومناهج تعليمية مطبوعة خصيصاً وبما يلائم اعمار الدارسين والدارسات. وعن شروط القبول, أن يكون التلميذ تاركاً للدراسة أو غير مسجل ضمن الفئة العمرية من (12-18)سنة, حيث يقبل التلميذ المتسرب في المدرسة الابتدائية الاعتيادية من المستوى الأول في التعليم المسرع، إذا كان تلاميذ الصفين الأول والثاني ,ويقبل في المستوى الثاني إذا كان من تلاميذ الصفين الثالث والرابع ويقبل في المستوى الثالث إذا كان من تلاميذ الصفين الخامس والسادس، يتعلمون القراءة والكتابة والرياضيات ومهارات حياتية وفق مناهج مكثفة، وتكون شهادتها معادلة لشهادة الدراسة الابتدائية وتخولهم الدخول إلى المدارس المتوسطة النهارية أو المسائية.
*مدير التعليم العام والملاك في ميسان عبد الامير محمد، كان له حضور في رحلتنا، وعند سؤاله عن موضوع تحقيقنا قال:
– ان لهذا المشروع هدفا انسانيا فضلا عن الاهداف التي لاجلها اعد هذا المشروع لأنه يعيد الحياة لعدد من الشباب وينتشلهم من الشارع الى الفضاء التعليمي الواسع. اما عن عدد المراكز فهو 20 مركزا 15 منها للذكور و 5 للاناث، موزعة على اقضية ونواحي المحافظة وفيما يخص الاشراف فهناك جهة اشرافبة متخصصة تقوم بتذليل الصعوبات التى تواجه هذا المشروع، من اجل إنجاحه وتحقيق أهدافه القريبة والبعيدة، ولا ننسى التعاون الذي نلمسه من مدراء المدارس المسرعة .والتلاميذ انفسهم.
*المشرف التربوي حسين الجشعمي، تفضل قائلا:
– احيي القائمين على هذا البرنامج الكبير الذي يعتبر من المشاريع المهمة الاستراتيجية البعيدة المدى، كون هذا البرنامج استطاع ان يعيد الامل بالحياة لمجموعة كبيرة من الشباب الذين فاتهم التواصل مع الدراسة والاسباب كثيرة ومعروفة، واسعدني التواصل بين التلاميذ والمعلمين وادارة المدرسة ومديرية التربية، لتذليل الصعوبات والبدء سريعا في العمل بروح الفريق الواحد. اقول, لايزال الوقت مبكرا جدا في الحكم على هذا البرنامج، لكن الجميع اصبح مقتنعا تماما بنجاح المشروع، رغم الامكانيات البسيطة وعدم وجود البنايات والبنى التحتية اللازمة لنجاح المشروع، لكن الاصرار واضح من قبل الجميع لإنجاح المشروع وغدا لناظرة قريب.
*رياض على منشد الكناني مدير مدرسة تعليم مسرع، شاركنا في الحديث وقال:
– انني أشعر بالفخر والاعتزاز وانا اقوم بتعليم هؤلاء الشباب الذين غيبتهم تلك الظروف القاسية، والتي في معظمها خارجة عن ارادتهم، كون الظروف التي يعيشها بلدنا مأساوية ولا يمكن ان تحل في زمن قصير، انما تحتاج الى وقت كبير وانفاق اموال، وكذلك مواقف شجاعة من قبل المسؤول, لأنها ليست وليدة اليوم والليلة بقدر ماهي تراكمات لمرحلة سوداء مررنا بها. وعن مشاكل التلاميذ فالأستاذ منشد يرى ان لا مشاكل في مدارسنا، بل يحدث هنالك احيانا سوء فهم بين التلميذ ومعلمه، لكن سرعان ما ينتهي الامر بالتصالح كون التلميذ اصلاً هو كبير ويقدر ويحسب الأمور، وكما هي مدارس الصباحية اعداد التلاميذ الكثيرة في الصف الواحد، قد يحدث عدم الاهتمام الكافي للتلميذ، فهنالك تلامذة متفوقون على زملائهم مما يسهلون على المعلم توصيل مادته العلمية، ومهما تكون المشاكل فنحن قادرون على حلها لأننا نؤمن بهذا المشروع لإنقاذ شبابنا من الذهاب للمجهول الى الشارع.
*المشرف التربوي الاول عبد الحسين سامي، أبدى توجيهاته بهذا الشأن حيث قال:
– لم أخف قلقي من مشاكل هامة تكمن في امكانية توفير الكادر من الاختصاصات العلمية كالرياضيات والعلوم والانكليزي، كون مدارسنا الصباحية لا يوجد فيها فائض ليسد نقص هذه المدارس، ونتمنى الاهتمام اكثر بالمنهج ليلائمهم اكثر، وضرورة ان يكون الصف نموذجيا بأعداد ليست كبيرة. واعداد دراسات وتقويم شامل للمشروع. وثمة امر هام وهو يجب اختيار المديرين بصورة جيدة وعدم شمولهم بقرارات تدوير المديرين الذين لم يحققوا نسبة النجاح المعمول به في المدارس الصباحية كونهم يتعاملون مع تلامذة من نوع خاص.
*عباس جلال مدير مدرسة، يقول:
– بصورة عامة، الجهة الإشرافية هي المسؤولة عن توفير كادر متخصص لهذه المدارس، ولكن يجب ان لا يكون على حساب المدارس الصباحية، متمنيا ان تكون لهذا المشروع مدارسه الخاصة، منوها على ضرورة ان تقوم الكلية التربوية المفتوحة باعداد كوادر متخصصة لتدريس هؤلاء التلاميذ.
– وثمة رأي اخر للمعاون مرتضى عبود، فحواه ان بعض المعلمين صاروا يتهربون من المدارس الصباحية، ليلتحقوا بالمدارس المسرعة كون ساعات دوامها قليل، ووجود مشرفين يختلفون في تعاملهم مع المدارس الصباحية وان اعمار التلاميذ كبيرة ويتفهمون دور المعلم ويحترمونه.
– المعلم دواد سالم له راي في اختيار المعلم المسرع، متمنيا ان يكون معلمها حاصلا على البكالوريوس في مجال تخصصه، منوها الى وجود شهادات عليا في التربية يفضل استخدامهم في التعليم المسرع، لانهم الاقدر في توصيل المادة العلمية فضلا عن تعاملهم مع تلاميذ كبار. متسائلا عن الغاء التربية الفنية والرياضة، اذ فقد يكون لهؤلاء التلاميذ مواهب فنية او رياضية؟.
– ويقول التلميذ احمد حسن وهو متزوج: ان شعوري لا يوصف وانا اجلس على كرسي الدراسة بعدما فقدت كل الامل بالعودة مجدداً للدارسة. ان ظروفاً صعبةً للغاية هي من ابعدتني عن الدراسة، وانا نادم اشد الندامة لعدم امتثالي لمعلمي الذي كان يرشدني نحو الطريق الصحيح لكن حدث ما حدث وانا اليوم كلي امل ان استمر بالدراسة, لأعوض ما فاتني.
– مصطفى جاسم شاب ذو18ربيعاً، تكلم بحرقة وهو ويعتصر آلماً: اليوم بدأت اشعر انني انسان وعادت الي إنسانيتي التي فقدتها لسنوات ضيعتها من عمري، فليس معيباً ان اقول انني كنت مخطئاً ايما خطأ، وانا اترك مقعد الدراسة واذهب الى المجهول! عندما كنت لا اكترث لنصح ابي ولا معلمي فكانت النتيجة ان اكون في الحضيض في شارع لا يرحم، وانا التقط القمامة وابيعها لكي اضمن لي دخلاً يمكنني من ان اقضي اوقاتاً مع اصدقائي الذين يشعرونني بالتصغير دائما وعدم الاهتمام بي مع ان يدي كانت فلته دائماً» وانفق عليهم احياناً فعندما يرن جرس الموبايل فاني اموت الف مرة كوني لا أعرف اسم الصديق الذي يتصل بي وكنت دائما مثار سخرية امامهم واي شعور وانا ارى صديقاً لي وهو اليوم متزوج، وقد اكمل دراسته واصبح له اسم كبير في مجال عمله، وانا التقط ما يرميه الاخرون من قناني البيبسي كولا، ولقد فكرت ملياً في الموضوع واتخذت القرار الشجاع بالعودة الى الدراسة التي استقبلتني وصفحت عني في وقت كنت انا من هجرها ولم يحترمها !! فكيف لي ان اصف لكم شعوري اليوم وانا كلي فخر واعتزاز ان اقف مع معلمي وارفع علم بلدي في يوم الخميس، وقد عرفت انني لست الوحيد الذي سيستفيد من الدراسة بل حتى بلدي، فهو يحتاجني حتى تدور عجلة الحياة صحيحاً.
*ويقول الصحفي وسام الدراجي»
– اننا كصحفيين لابد ان نثني على جهود القائمين على هذا العمل الجبار ونساهم في انجاح هذا المشروع من خلال التعريف به وحث الشباب بالعودة الى مقاعد الدراسة, طبعا من المبكر الحكم على نجاح المشروع من عدمه، لأننا في الخطوات الاولى وعلينا الانتظار والتريث قليلا، فمسافة الف ميل تبدأ بخطوة، وان نجاح المشروع هو مؤجل وان كانت هنالك اشارات تدل على نجاح المشروع، عندما يحقق نسبا عالية بالنجاح في الامتحان الوزاري، لكن نجاح المشروع هذا يجب ان لا يكون على حساب المدارس الصباحي فلا يصح ان نفتح صفاً هنا ونغلق مدرسةً هناك!!.
*محمد حمزة الكعبي مدير اعلام التربية يقول:
– اعددنا خطة تعريفية تحث الشباب على الالتحاق بهذه المدارس، ودعونا وسائل الاعلام الى ان تأخذ دورها الوطني في التعريف بأهمية هذه الدراسة لإنقاذ الشباب من الامية فضلا عن تحصينهم بسلاح التعليم لمواجهة تحديات الحياة وعملنا عددا من الملصقات ونشرناها في معظم المحافظة، ولمسنا اقبالا واسعا لهذا البرنامج.
*حاتم عبد شويع ماجستير اللغة العربية يقول:
– ان استخدام طرق التدريس الحديثة والاعتماد على اسلوب التشجيع والمكافأة يعزز شخيصتهم ويعطيهم الثقة بالنفس اكثر، لان عدم استخدام العقاب البدني وترك الاعتماد على الدراسة الكلاسيكية التقليدية من شانه المساعدة في تطوير وانجاح هذه الدراسة، فعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه هذا المشروع من المنهج والمعلم والابنية المدرسية الا انه وقف صامدا امام هذه التحديات واستطاع ان يحقق نجاحا باهرا . ويمكن القول إن هذا المشروع له من الفائدة الكبيرة، فهو يمنح فرصة التعويض للذين فاتهم التواصل مع الدراسة لأسباب اقتصادية كانت او سياسية او اجتماعية, لكن من اجل النهوض بهذا المشروع نتمنى من وزارة التربية الراعية لهذا البرنامج ان توفر عددا من الابنية المدرسية وليس الاعتماد على ابنية المدارس الصباحية المزدحمة اصلاً مما يسبب ارباكاً في عمل المدارس الصباحية .وكذلك الاهتمام بالكادر التدريسي الذي يقوم بالتدريس في هذه المدارس ، وكيفية التعامل مع التلاميذ الكبار، ويكون باختبارات ودورات وليس كما يحدث الان عندما يتم تكليف معلمي المدارس الصباحية للعمل في المدارس المسرعة مما قد يسبب نقصاً في تلكم المدارس, كذلك شمول طلاب المدارس المسرعة بمنحة الطلبة كمكافاة تشجيعية اسوة بالدارسين في مراكز الامية لكثرة متطلباتهم، كما ان بعد المدارس عن مناطق سكناهم يتطلب واسطة نقل ,ولشمول عدد اكبر، وكذلك على المتخصصين في هذا المجال القيام بدراسات مستمرة لمعرفة مدى نجاح هذا المشروع من عدمه .
ففي تصريح يزرع الامل – لمدير عام التعليم في الوزارة عادل عبد الرحيم اكد ان الوزارة خرجت منذ عام 2003 الى عام2013 ما يقارب 240 الف طالب من مدارس التعليم المسرع, وهذا يعني ان مشروع التعليم المسرع اعاد الحياة لهذا العدد الكبير وهذا دليل نجاح هذا المشروع، فلو استطعنا اصلاح شخص واحد واعادة الامل اليه من جديد لحصدنا نصراً كبيراً للمجتمع ككل. فأطفال يجولون في الشوارع والازقة بثياب بالية ممزقة واجساد نحيلة وبطون خاوية . هذا يلتقط القناني الفارغة من الشوارع، وذاك يبحث بين القمامة، وتلك تبيع العلكة والسكائر واخرى تجول وسط زحمة السيارات تمسح نوافذ هذه السيارة ،واخرون اشد خطورة, ربما يجندون من قبل العصابات او الجماعات الإرهابية عندما تغسل ادمغتهم وتوجههم حيثما تريد ومتى ما تريد، انهم هؤلاء المتسربون, او الذين فاتهم التواصل مع الدراسة ,وان اصلاح احدهم لهو شيء كبير وارجاعه الى الحياة ليكون نافعا في مجتمعة. ان تلكم الامور ليست بالأمر الصعب المنال اذا ما علمنا ان بلداً كالعراق خيراته وفيرة وله ميزانية كبيرة جداً مع وجود المتنورين الذين يقودون البلاد من اهل الاختصاص والكفاءة، وشعبه مازال يعاني من الامية والتخلف!.
نحن ننتظر القرار الشجاع الذي يتخذه أصحابه لتصحيح المسارات الخاطئة التي اوصلت التعليم الى مستويات التدني هذا, نحتاج المصنع ليعمل وينتج ,والارض لتزرع ,والنفط ليستخرج، ونحتاج لبناء الانسان بناءً صحيحاً حتى لا تتوقف عجلة الحياة، وجميع ذلك مرتبط بالتعليم وما نيل المطالب بالتمني..!!





_1617644865.jpg)



