د. باسل عباس خضير
(لزكة جونسون) هي عبارة عن قطعة طبية تستخدم موضعيا لتخفيف الآلام وكانت شائعة الاستخدام عندما لم تكن الخدمات الصحية منتشرة بالشكل الذي يلبي حاجة العراقيين في القرن الماضي، حيث كان يسود اعتقاد للكثير بأنها بلسم لكل الأوجاع ، والمادة اللاصقة فيها من القوة بحيث يمكن بقاؤها حتى أثناء السباحة والغسيل ولهذا اقترن اسمها بصعوبة إزالتها باعتبارها مادة لاصقة بالفعل، ولأن العراقيين يجيدون استخدام الأمثال والتندر ببعض المفردات، فقد اقترنت لزكة جونسون بالأشياء والأشخاص الذين من الصعوبة إزالتهم أو إزاحتهم أو مغادرتهم أو تركهم لأماكنهم ، ومنهم أصحاب المناصب والمواقع الحكومية الذين يبقون في مناصبهم لمدة طويلة وخارج السياقات والنصوص القانونية المتعارف عليها وهم لا يقدمون شيئا بل يزيدون الأمر سوءا وتعقيدا عاما بعد عام ، فهناك إدارات بقيت على حالها في المواقع التنفيذية أو الاستشارية منذ 2004 ولحد اليوم وخلال هذه السنوات بقيت تراوح مكانها أو إنها تعود بالعجلة إلى الخلف لان اختيارها لم يكن صحيحا، وهؤلاء تتعجب لأمرهم لأنهم يتشبثون بالمناصب ويتنقلون هنا وهناك لنشر الفشل في كل مكان، ومما دفعنا لتناول هذا الموضوع هو ما نشهده سنويا من إحالة المئات من أصحاب الكفاءات العراقية الحقيقية الفذة على التقاعد حال بلوغهم السن القانونية من دون عرض فكرة تمديد خدماتهم لحين تراكم الخبرات عند الآخرين، في وقت يجري فيه الاحتفاظ بالفاشلين وعديمي الخبرة والأهلية وبعض مزوري الشهادات أو الذين تدور حولهم شبهات الفساد ممن يشكلون عبئا وضررا على الوظيفة العامة وأداء الأجهزة الإدارية ومستوى رضا العاملين .
وتهتم الدول والمنظمات بإعداد القادة لما يشكلونه من أهمية بالغة في إحداث التغيير الايجابي والتشجيع على ولوج التقانات الحديثة وتحقيق الأهداف الكمية والنوعية بوقتها المناسب، والمنظمات الناجحة تتبنى أهدافا تتعلق بالعاملين والمنظمة ممثلة بالمالكين والمجتمع، وهناك مناهج متعددة تستخدم في مجال اختيار وإعداد قادة اليوم والمستقبل يضيق المجال لذكرها هنا ولكنها تقوم على قاعدة وضع الشخص المناسب في المكان والظرف الملائم، وعلى العموم فان نجاح القادة يعتمد على مجموعة من العوامل المتعلقة بهم ( الرغبة ، المقدرة ، الكارزمة ) والعوامل الخارجية ( الهدف ، الجماعة ، الموقف ، البيئة ، الإمكانيات ) ، ولان العوامل الداخلية والخارجية عرضة للتغير أو التغيير فانه غالبا ما تحدد مدة زمنية لتولي المهام القيادية ليتم بعدها الإعادة إلى حقول العمل أو الاستفادة من الخبرات كاستشارات أو الترقية لوظائف اعلي أو الإحالة على التقاعد عند بلوغ اعمار معينة ، ولأهمية اختيار القادة بشكل دقيق يتم تبني برامج لتأهيل القيادات من قبل مؤسسات رصينة تتولى تزويد المشاركين بالمعارف والخبرات والمهارات والدافعية اللازمة في مفاصل مهمة من العمل القيادي ، ولا نقصد بالقيادات العسكرية أو السياسية وإنما القيادة في مختلف الاختصاصات حيث يعطى اهتمام لحقول العمل كونها الأساس في إنتاج الدخل القومي .والمنهج الذي تحدثنا عنه لم يتم تبنيه بشكل علمي وعملي متكامل في بلدنا منذ قيام الدولة العراقية في القرن الماضي لان الاختيارات كانت تتم على أسس محددة لذلك يخلو بلدنا من تجربة غنية بالتكنوقراط ، وقد ازداد الأمر تعقيدا بعد 2003 إذ تحول الاختيار إلى أسبقيات معينة اغلبها بعيدة عن المعايير الموضوعية أو الحد الأدنى من المواصفات ، وقد ظهرت نتائج الاختيارات الخاطئة من خلال العجز عن تحقيق الأهداف والتراجع الواضح في تلبية الحاجة والطموح ناهيك عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والترهل بعدد الأفراد العاملين وضعف استخدام معايير الجودة ، فضلا عن شيوع حالات مستشرية كالمحاصصة والمحسوبية والمنسوبية والشللية وسعي البعض لمحاربة الكفاءات الوطنية وسيطرة عناصر من المنتفعين والمتطفلين على المزايا والتسهيلات ، وتصرف البعض على إن الجهاز الإداري الحكومي كأنه مملوك لأشخاص محددين أو جهات معينة وليس الدولة التي تتولى الإدارة التمويل ، وقد انتقلت العدوى إلى بعض الأجهزة الرقابية وتشكلت منظومات بطريقة التكاثر غير الرسمي هدفها التستر على الأخطاء ورعاية المسيئين والمخالفين ، ويتم ذلك خارج الإطار التشريعي والشرعي للدولة التي تدعو الى اعتماد الكفاءة والفاعلية وتعويض مظلومية الشعب ورصد المخالفات والتي تحول اغلبها إلى شعارات غير قابلة للتطبيق وتنتج الازمات .
ورغم أن المقولة المشهورة (الوحدة بآمرها) لا تزال تحظى بالمقبولية لدى البعض إلا إنها خارج زمانها في الوقت الحالي لان المنظمات الحديثة تعتمد على التفاعل الايجابي بين القائد وبقية العاملين ، فهناك ثلاثة عوامل يقال إنها من المؤكد تؤدي إلى تقاعس العاملين وانتشار الفساد بأنواعه وهي تعيين مدراء غير أكفاء وتنقصهم الرغبة أو المقدرة مع غياب برامج التأهيل والتطوير ، والعامل الثاني هو عدم استبدال القادة وأصحاب المناصب الإدارية عند انتهاء مدتهم المحددة رغم عدم قدرتهم على الأداء والتجديد والتطوير والتمديد لبقاء المدراء الفاشلين وغير النزيهين ، فهذه العوامل تخلق الإحباط لدى المخلصين الكفوئين وتشعرهم بان الإدارات المعنية تتعمد تكريس الفشل مما يدعوهم لدعم الفساد أو الإسهام به أو السكوت عن حدوثه على الأقل ، وفي الجانب الآخر فان إنهاء خدمات الإدارات الكفوءة في الوقت غير المناسب وعند عدم إنهاء أهدافها يؤدي إلى النتائج نفسها لاسيما عند استبدالهم بأقل مستوى من الكفاءات، ولغرض تلافي القبول وعدم القبول بين الأفراد والحيلولة دون وقوع الصراعات فان من المفضل اتباع سياسات واضحة في الإحلال بتحديد سقف أعلى لإشغال المناصب مع توضيح الحالات والظروف التي يتم بها التمديد وهو ما لم تعمل به إداراتنا لأنها تعمل بالاستثناء لذلك يسعى البعض إلى أن يطول وليس يطور .
ومن أشكال الاستثناءات التي تدمر أقوى المنظمات وليس المنظمات الهشة فحسب هو التعيين بالوكالة أو على سبيل التكليف أو إضافة واجبات قيادية أخرى بالوكالة إضافة للمنصب الأصلي الذي يتم إشغاله بالوكالة رغم الاختلاف في الاختصاص ، وهذه المسألة لم يتم حلها بعد رغم ورودها ضمن منهاج الإصلاح الذي عرضه دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور العبادي وتبناه مجلس النواب ، فاغلب المناصب يتم إشغالها بالوكالة رغم مرور 14 سنة على التغيير وأغلب أسباب عدم الاستقرار والتثبيت في المناصب القيادية والتخصصية لأجهزة الدولة هي سياسية وليست إدارية ، وكما هو معروف فان الوكالات تؤدي إلى حالات غير ايجابية لكل الأطراف حسب ماورد في مختلف الأدبيات المعنية بهذا الموضوع ، كما إنها تشجع الفاسدين والفاشلين على إيجاد أمكنة يحتمون بها ويحققون فيها مصالحهم الشخصية على حساب المصالح الوطنية والعليا ، ومن ألأسباب الأخرى لتخلف الأجهزة الإدارية التمديد لأكثر من مرة لمن انتهت ولايته للمنصب أو إعادة تعيينه في موقع خر بشكل يقتل الدافع والطموح لدى المتميزين الكفوئين في إشغال المناصب باستحقاق لان الفرص محجوزة لفئات محددة وكأن البلد قد خلى من غيرهم ، رغم إنهم اخذوا فرصتهم أو إنهم ليسوا من ذوي الأداء المطلوب فـ (سر) وجودهم واستمرارهم هو تقديم الولاءات والتنازلات أو تبادل المنافع غير الرسمية مع الآخرين والتمسك بالمناصب بطريقة أو بأخرى وبشكل يجعل وجودهم أشبه بـ (لزكة جونسون).









