الحقيقة – خاص
تحاول الأعمال الفنيّة تجسيد أشياء من الواقع العادي الذي يمكن أن يتفاعل معها أي شخص، لأنّ للفنّ مفهوما شاملا يضم إنتاج الإنسان الإبداعي، ويعتبر لونا من الثقافة الإنسانية كونه يعكس “التعبيرية الذاتية” وليس بالضرورة تعبيرا عن حاجة، ويقسّم الباحثون الفن التشكيلي إلى فنون مرئية/بصرية، وهي مجموعة الفنون التي تهتم أساسا بإنتاج أعمال فنية تحتاج لتذوقها إلى الرؤية البصرية المحسوسة على اختلاف الوسائط المُستخدمة في إنتاجها. وسيطرت الثقافة البصرية على أسلوب الحياة لدى مختلف المجتمعات، إذ تمكّن الفرد من التمييز الجمالي بين تلك المدركات البصرية، إلا أن هذا التمييز وحده لا يكفي، لأن التمييز بين الجميل والقبيح لا يجعل من الفرد متذوقاً أو لديه حساسية جمالية تنعكس على أخلاقه وسلوكياته، وذلك لان هذا الزخم البصري يتسم بإيقاعه السريع فقد يستقبل الفرد عشرات الصور والمدركات البصرية في اليوم والتي قد تكون لأعمال أو تصاميم فنية، إلا أنه لا يقف عندها أو يتأمل بما يكفي ليفهم ويستشف معانيها ويستشعر أحاسيسها ويفسر كيف ولماذا كان ذلك المدرك الفني على تلك الصورة، فيمر على تلك الصور مرور الكرام لأنه لا يعرف كيف يقرأ عملا فنياً. تقول الباحثة العراقية فاطمة لطيف عبدالله “فن الرسم من أكثر الأنشطة الفنية مسايرة لطبيعة تحولات الإنسان، فتارة نجده رمزيا، وأخرى واقعيا أو محاكيا للواقع. إذ كان هم الفنان منصبا فيه على تحويل المشاهد المرئية إلى صورة مثالية في مطابقتها للأصل. وهو في ذالك إنما يفصح عن قدرته وبراعته في المحاكاة. وعن انسياقه وراء النزعة الكلاسيكية في الرسم والتي لم تستطع الصمود بوجه الغزو التكنولوجي الحديث، إذ عوض التصوير الفوتوغرافي عن قدرته في هذه المحاكاة”. وتضيف “بمرور الزمن أصبح الإنسان أكثر تطورا من السابق، واخذ ينظر إلى الرسم الكلاسيكي كلغة عديمة الجدوى، لا تناسب وعيه وثقافته، فكان لابد من لغة جديدة تنظم وتبنى تماشيا مع طبيعة تحولاته المستمرة والدائمة، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في قيم الإنسان الفلسفية والفنية، والى انبعاث اتجاه جديد، ذلك هو الاتجاه الانطباعي الذي ساد فني التصوير والأدب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر”. وإن للقراءة النقدية للأعمال الفنية مردودا ثقافيا واجتماعيا كبيرا يعود للناقد وللمتذوق والفنان والمجتمع، فعند قراءة العمل الفني الحديث والمعاصر يكون هناك محاولة للارتقاء بالثقافة البصرية وذلك عندما يستمتع المتذوق بصريا ويطيل التمعن في كوامن العمل الفني فيستطيع تبعا لذلك أن يعبر عن أحاسيسه ومشاعره وأفكاره بكل حرية وبلا قيود شاعرا بثقة بالنفس وارتياح يختلج الشعور. وكان ديلاكروا وهو فنان رومانسي يرى أن على الفنان أن يصور الواقع نفسه من خلال رؤيته الذاتية في حين ذهب كوربيه وهو فنان واقعي إلى ضرورة تصوير الأشياء الواقعية القائمة في الوجود خارج الإنسان، وأن يلتزم في هذا التصوير الموضوعية التي تنكمش أمامها الصفة الذاتية، وان يستخدم في هذا التصوير أسلوباً واضحا دقيق الصياغة وأن يختار موضوعه من واقع الحياة اليومية، فينفذ بذلك إلى حياة الجماهير، يعالج مشكلاتهم ويبصر بالحلول، ويجعل من عمله الفني على الإجمال وسيلة اتصال بالجماهير.









