عبد الجبار نوري
إن مفهوم غسيل الأموال أو تبييضها Money Laudering و تعني استخدام طرق غير مشروعة مجردة من المواطنة والانسانية والوازع النفسي للتصرف في أموال مكتسبة بطرق غير مشروعة وغير قانونية لإضفاء الشرعية والقانونية عليها ، وهي الأموال المكتسبة من الرشوة والاختلاس والغش التجاري وتزوير النقود ومكافئات أنشطة الجاسوسية ، والسرقة ونهب المال العام وتسهيل الدعارة وتهريب المخدرات وتهريب النفط وتهريب الآثار وتهريب الأطفال والإتجار بالأعضاء البشرية وريعية نوادي القمار، وتصنيع النباتات المخدرة أو اختطاف واحتجاز الأشخاص ، فاصطلاح غسيل الأموال وتبيضها هو من تداعيات العولمة الاقتصادية والتي تروج لها أمريكا ودول الغرب ، فالاصطلاح عصري هو بديل للاقتصاد الخفي أو الاقتصاديات السوداء أو اقتصاديات الظل ، فهذه الأموال غير المشروعة تخلط بأموال أخرى مباحة لإضفاء المشروعية عليها وإخفاء مصدرها الحرام والخروج من المساءلة القانونية بعد تضليل الجهات الأمنية ، ومن مراحل غسيل الأموال الآتي:
* الايداع هو تحويلها الى ودائع مصرفية في البنوك والمؤسسات المالية الاستثمارية مما يسهل استبدالها بأموال نظيفة وقانونية .
* التجميع : في جمع الأموال ضمن مجموعات من المشاريع والاستثمارات المالية التي تضمن التغطية الكاملة للعمليات غير القانونية .
*- الدمج: وهي المرحلة الأخيرة التي يتم خلالها خلط الأموال غير الشرعية مع الأموال الشرعية لإخفاء معالم تلك الأموال القذرة .
ويعتبر غسيل الأموال من الأمور الساخنة على مستوى العالم ، وتعمل الحكومات الوطنية على مكافحته لما يشكل من تهديد جدي على جميع مفاصل الدولة ومكوناتها ومستقبل أجيالها ، وخاصة بالبلدان الشرق أوسطية من ضمنها العراق حيث تتم فيها عملية غسيل الأموال بسهولة أكبر لأن النظام المصرفي يعتمد السرية التامة (وهو الأسلوب المتبع في الدول الأوربية المتطورة )، فهي أرضية خصبة في تحرك المافيات لاستغلال سرية تلك الفرصة الذهبية لتنفيذ عملياتها في غسيل الأموال الطائلة ، وشهد العراق بعد 2003 غياب الرقابة الحكومية بكل مفاصل مؤسساتها إلى تهريب أرقام خيالية إلى خارج الحدود، وكان أول رقم أسطوري 556 مليار دولار بين سنتي 2006-و 2009 ثم كبر الرقم في نهاية 2016 ليصبح الرقم ترليون دولار من أموال واردات النفط ومن موجودات البنك المركزي في مزاد بيع العملة الصعبة اليومي .
الأسباب
– شهد العراق بعد 2003 غياباً في الرقابة الحكومية بكل مؤسساتها وغياب دولة القانون والأجهزة الرقابية وسياسة الاغراق والسوق السوداء ، واعتماد السوق المفتوحة أمام الأسواق العالمية وما خلفه من تدمير للبنى التحتية ، وانكشاف السوق العراقية أصبحت بيئة ملائمة لغسيل الأموال وتحويلها إلى الخارج .
– فتح الحدود مع الدول المجاورة ومع العالم بدون قيد أو شرط مما أدى إلى سهولة تداول الأموال وتحويلها إلى الخارج .
– عدم الاستقرار السياسي الاقتصادي والانفلات الأمني وشيوع تجارة الممنوعات وتزايد معدلات الجريمة بكل أنواعها .
– استخدام شبكة الانترنيت هي الأخرى ساعدت على التوسع في عمليات التحايل من خلال استعمالها من قبل عصابات غسيل الأموال للاستفادة من السهولة الخاطفة للتحويلات النقدية عبر العالم .
– الحاكم المدني الأمريكي ( بريمر )، عمل على تشجيع عملية غسيل الأموال عن طريق إقامة المزاد العلني للعملات الأجنبية في البنك المركزي العراقي .
– سرقة المصارف الحكومية عند سقوط النظام السابق ساعد على تهريب الكثير من الأموال إلى الخارج.
– فتح المصارف والشركات المالية الأهلية والتوسع فيها والاستمرار في بيع العملة شجع على تهريب الأموال تمهيداً لتبييضها.
التداعيات
*البطالة بنسبة 40% والفقر بنسبة 35% .
* انخفاض قيمة صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي ، وعدم استقرار سعر الصرف.
* لغسيل الأموال تأثير كبير على الدخل القومي من خلال استنزاف العملات الصعبة التي هي بمثابة رؤوس أموال .
* العجز في ميزان المدفوعات الذي يؤدي إلى استنزاف الاقتصاد الوطني ثم العجز في ميزان المدفوعات وإلى انخفاض القدرة الانتاجية .
* انتشار فرص الفساد والرشوة وإضعاف الروابط الاجتماعية ، وانتشار عدوى الفساد في الأوساط السياسية .
الحل
ليس هناك حل حقيقي لأنها قضية أخلاقية لها علاقة بالمواطنة والشعور بالمسؤولية والانسانية والضمير الحي والوازع النفسي الرادع والقوي ، ولكن لشدة خطورة تلك الظاهرة السلبية والمدمرة للأقتصاد المجتمعي ومستقبل الأجيال، أخذت الكثير من الدول المتقدمة بمكافحة ظاهرة غسيل الأموال بشتى الطرق المتاحة منها على سبيل المثال المملكة الأردنية ، ربما سأستعرض بعض من تجاربها والخطوات المفيدة للدول الأوربية المتقدمة في مكافحة هذه الآفة:
* مكافحة الارهاب لاعتماده كمصدر تمويل إرهابه في جميع مناطق العالم .
* إلغاء مزاد بيع العملة نهائياً .
* إلغاء المحاصصة التي هي الخلفية والقاعدة المساعدة على انتشار هذه الجريمة .
* تفعيل القانون العراقي ومحاسبة المسيئين والضرب بشدة على تلك المافيات التي لم تعد مخفية.
* مراقبة المصارف الأهلية واخضاعها للتفتيش الدقيق والدوري من قبل المؤسسات المالية الحكومية منها البنك المركزي العراقي.
* الاختيار الصحيح والدقيق لادارة البنك المركزي العراقي وخاصة ( المحافظ ) يجب أن يكون من الشخصيات التكنوقراط الاقتصادية ذات الخبرة الأكاديمية في مجالات الشؤون المالية والنقدية و النظم المصرفية ، ويتمتع بحس وطني ومن ذوي السمعة الحسنة المعروفة في الأوساط الوطنية العراقية .
وأخيرا، ويجب عدم الاستهانة بهذه الظاهرة الاقتصادية المجتمعية المرعبة عابرة الحدود بل القارات وبسرعات خاطفة لاتصال تلك المافيات العراقية بالشبكة العنكبوتية المفسدة في الداخل والمحمية من قبل أشخاص مرموقين في مفاصل الدولة للتستر عليهم.









