ثقافية

التشـــابيه .. عمل مســرحي متكامل

عانى مسرح التعزية بسبب  المنع  في العهود السابقة دعوة تطوير هذا العالم الفني بالروح المسرحية وتقاليدها و المجالس الحسينية التي تقدم عاشوراء فيها فضاءات مسرحية متكاملة من حيث الحوار والرواية والمشاهد التمثيلية  , لاسيما المشاهد التي توقف لواقعة الطف الشهيرة التي يستشهد فيها الامام الحسين (ع) وآل بيته الاطهار   فمن يرى التشابيه يشعر انه امام عرض مسرحي كبير في تقنياته وحركاته , وعمق المسرح الذي يقدم فيه الى جانب وجود الرواية او (القارىء ) الذي يقرأ  الاحداث  بصوته الشجي المعبر , والذي يثير البكاء والنواح لدى الممثلين في التشابيه او لدى الناس التي تحضر لمشاهدة العرض ( اي الجمهور )  

قحطــــان جاسم جواد

 

 

قــــــدرة الراوي 

الميزة الاولى والمهمة ( كما يقول د  مناضل داود مؤلف ( كتاب مسرح  التعزية في العراق ) الصادر عن دار المدى ) لهذا  العزاء الحسيني هي القدرة الفائقة التي  يتمتع بها الراوي بتلوين  صوته , والانتقال من حاله الى حالة موهبة متقنة مدربة , وعارفة بأصول النغم الموسيقي , امام بطريقة فطرية او معرفة علمية بحيث ينتقل الراوي في حديثه عن مقتل الحسين (ع) من الراوي الى الحداء  الحزين , ولايترك جملة بدون ان يشبعها بالشرح وعمله المتقن هذا غرضه الاساس هو اثارة البكاء في نفوس المشاهدين   وتقام هذه  الطقوس عادة اما في قاعات كبيرة او في ساحات الجوامع او في الشارع بحيث يجلس الجمهور على الارض او داخل ملاعب كرة القدم 

 

تطهيــــــــــر ذاتي 

وعادة يكون القارىء او الراوي رجل دين  مهمته سرد احداث مقتل الامام الحسين (ع) واصحابه وعائلته   ويبدأ الحديث  بحداء كتمهيد للحدث الرئيس ، ويكون الحداء انفراديآ حزينآ   وبعد انتائه يبدأ الحديث عن هذا البطل او ذاك من عائلة الامام وأصحابه  يكون أداء الراوي مقسمآ بين الحداء والحديث المباشر ، ويستخدم الأساليب التي تثير عاطفة الجمهور المهيأ للاندماج بالحديث ، مصبرآ عن ايمانه وحزنه ومشاركته بالبكاء بصوت عال ، والذي سيكون بالنسبة له كعملية تطهير ذاتية   وهنا يكون الراوي منسجمآ مع صوته على نحو أخاذ، او كما يقول د  مناضل :الصوت   ثم الصوت  وان ينسجم الفنان مع صوته تلك هي متعة عظيمة للمغني او المثل على السواء ،أي القدرة على التحكم بصوتك وبامتثاله لأمرك وبتعبيره قويآ وجوهريآ على حد تعبير فلا فسكي المسرحي الكبير  .

 

شخصيات محاطة بالسحر والاندهاش

وهنا يرسم الراوي شخصياته المحاطة بالسحروالاندهاش ضمن عالم متخيل، والذي هو (يوم القيامة )، وليشاهد شخصيات النص القرآني (الملائكة) لاسيما في المشهد الذي يتضمن الحوار بين فاطمة الزهراء (ع) والملائكة حين يأتيها ابنها الحسين (ع) (جسد بلا رأس)، وهنا يتجلى الفعل الدرامي في الحديث والصراع المتنامي ، ومن وجهة النظر المسرحية ، وتتجلى أيضا قدرة الراوي في الموازنة بين الجميع وايصال المعلومة على نحو يعبر عن الحدث .

 

اللطم 

اللطم نوعان، لطم للرجال ، ولطم النساء ، فمع مجالس التعزية ظهرت مواكب اللطم ، وكانه أول موكب أقيم في الكاظمية ببغداد ثم انتشرت في مدن العراق الأخرى كما يشير المفكر د  علي الوردي   في عمق المكان (المسرحي) يرتفع كري عال مغطى بوشاح اسود يقف  عليه القارىء، ومن تحتة تتشكل داوئر صغيرة تكبر حسب أعمار المشاركين   يبدأ من الأولاد وينتهي بالرجال الذين يقودون ايقاف اللطم تناعمآ مع قصيدة الراوي الذي يلقيها بشعر موزون ، وبغنائية فائقة ، ويتم تدريب الجمهور على حفظها، فيتحول الى كورس يردد مقاطع وراء الراوي ، ويشاركونه في اللطم على الصدور وبشكل ايقاعي خاص يتناسب مع ايقاع اللحن   وهذا يذكرنا ببداية المسرح اليوناني (كما يشير د  مناضل)  ويبسط الجمهور المكان من الجانبين من جهة تقف النسوة متلفعة بالسواد ، ومن جهة  أخرى نجد الرجال ، ويبدأ الجميع بالبكاء واللطم بترديد وراء الراوي    وهنا يبزز دور الايقاع الذي يمثل أهم العناصر الفنية لانجاح العرض في المسرح لأنه يقوم بربط المتفرج بخشبة المسرح وبدون الايقاع في الطقوس التعزية قد نرى طابع الحزن في الأدب والموسيقى في لأنه انتقل من جيل الى آخر 

 

 الجوقات 

تبدأ الجوقات بمسيرة تشق بها شوارع المدينة  والجوقات  هنا تتخلى عن الراوي الذي يقود الموكب  ففي هذه الحالة يكتب الشعراء الحسينيون قصائد تتكون من اربعة او خمسة مقاطع صغيرة  وتوزع هذه  القصائد بين الجوقات , وعندما تنتهي الجوقة الاولى تبدأ الجوقة الثانية , وهكذا , والجوقة تتحرك حلاكة موضعية تعتمد على حركة الايدي الى الاعلى والاسفل فيتم اللطم في المقطع الاخير , وهنا تتقدم الجوقة الى الامام بخطوات بطيئة وصمت مطبق لتترك الفرصة للجوقة  التي تليها بأداء  المهمة  نفسها وتحيط  بالجوقات الجماهير من الجانبين ، وتشارك بلطم  خفيف ،وبعضهم يرش المواكب بماء الورد،ويتقدم العزاء رجال يحملون الرايات واللافتات التي يكتب عليها رثاء للحسين (ع)،واخرى لأصحاب الموكب والمدينة 

 

موكب الضرب بالسلاسل الحديد

مع نهاية الغروب تخترق مكان المجالس جوقة حاملي الرايات الملونة، ويليها رجل قوي عريض المنكبين يحمل شجرة كبيرة من القناديل الملونة تتبعه مجموعة من ضاربي الطبول ، واخيرآ موكب الزناجيل (السلاسل الحديد)، وهي مجموعة سلاسل كل منها 5-1  سم مربوطة بخشبة تشبه ساعد المطرقة ، وتستخدم للضرب على الظهر العاري ، ويرتدي ضاربو الزناجيل دشداشة سوداء مكشوفة الظهر ، فيضربون ظهورهم بايقاع رتيب ومنظم، ويتقدمهم رجل يصرخ بين آونه وأخرى (ياحسين ياشهيد كربلاء) ،ويردد الكلام نفسه وراءه ،والموكب يتكون من ثلاثة اوأربعة خطوط مستقيمة تبدأ بالأطفال وتنتهي بالأكبر سنآ  أما جمهوره المتفرجون ، فيكونون على جانبين، وهنا يتغلب الفعل الدرامي على الكلام، أي موضوع الضرب بالزنجيل على كلام الراوي لان المشاهد او الجمهور سيتفاعل مع المشهد الذي يراه أكثر مما يتفاعل مع الكلام الذي يسمعه  وحين يأتي دور (التشابيه) الذي هو قمة مواكب التعزية ،أي في يوم العاشر من محرم حيث تجري واقعة الطف واستشهاد الامام الحسين(ع)، أي ان المواكب والمجالس الحسينية تجري خلال الأيام العشرة الأولى  أما اليوم العاشر تحديدآ، فيكون مخصصآ لواقعة الاستشهاد ، والتشابيه هي بمثابة عرض مسرحي شعبي تقدمه عامة الناس ، ايمانا منها بقضية الامام الشهيد وعدالة موقفه ، والواقعة تقدم كاملة بتجسيد فني كبير، وكان المشاركون هم من ممثلي الدرجة الأولى ، وقد قام بعض الفنانين بتقديم الواقعة في مسرحية الحسين ثائرآ من قبل المخرج جواد الحسب بالرغم من حساسية الموضوع ،وتعاطف معها الجمهور على نحو أتخاذ مما يشجع على تكرار التجربة مرة أخرى  ما ينقل مقتل الحسين (ع) من اذاعات بغداد لمدة أربع ساعات متواصلة ، وربما يعاد في اذاعات أخرى بصوت القارىء عبد الزهرة الكعبي، ولهذه التشابيه تكتمل تقدم يوم الأربعين ، مفادها ان ابن الامام الحسين (ع)زيد العابدين لم يخرج الى المعركة لأنه كان مريضآ ، وحين يعود من دمشق بعد الأسر يحمل رأس ابيه ليدفنه مع الجسد الذي بقي في كربلاء ، ويقال ان الجسد بقي كما هو ، وذلك لان أسدا بقي الى جانبه يحرسه كل تلك المدة  وقد قيل الكثير عن طقوس المسرح في التشابيه ،منها ماقاله الدكتور فاضل السوداني ،فقال ان العرض يتميز بأنه طقس درامي جماعي للمشاركة الوجدانية، وتشترك التعازي مع المسرح الملحمي بكثير من السمات لان الحدث ورموزه وأغانيه أصبحت معروفة من قبل الجمهور، ولان المثلين في التشابيه يعتمدون في أحيان كثيرة على المباشر والتغريب  و يقارب السوداني بين مايقدم في العراق ، وما يقدم في ايران بقوله:ان مسرح التعزية في ايران يقدم على خشبة مسرح مرتفع ، أمافي العراق ، فانها تعرض بدون هذه الخشبة ، وفي الهواء الطلق أخيرا لابد من التنويه على ان مسرح التعزية عانى من قلة المصادر بسبب المنع الذي كان يفرض عليه خلال العهود السابقة ، مماجعل كثيرا من الباحثين يبتعدون عن عدم الخوض به ، وهذه القضية عانى أيضا منها الدكتور مناضل داود ، ومع ذلك قدم كتابا شيقآ ، وفيه غزارة معلومات ومقاربات مابين المسرح وفعله الدرامي ، وبين طقوس التشابيه ،ويدعو مناضل في كتابه جميع المسرحيين للخوض في هذه التجربة الفنية لاستخلاص العبر ، واغناء مسرح التعزية .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان