خالد العبيدي
يحتفل عمال العالم في جميع أرجاء الكرة الارضية في اليوم الاول من أيار من كل عام بعيدهم الاغر الذي تستقبله الشغيلة بالأفراح والمسرات، وتقام فيه الكرنفالات والاستعراضات وترتفع فيه هامات الرجال تطلعا نحو تحقيق الاهداف والمستقبل الزاهر والسعي لتطوير سبل الحياة وجعلها أداة في خدمة البشرية تنتهي فيها كل اساليب القهر والتعسف والاضطهاد وتمكن قوى الخير من استعادة حقوقها وكرامتها ، وليس غريبا أن تخترق هذه التطلعات كل جدران الزمن العجيبة وتنتصر فيه الارادة الخيرة لصناع المستقبل وما احرزته من تفوق على قوى الظلام واعداء الحياة ممن اعماهم الجشع والاستغلال وحولتهم هذه التوجهات الى نار تلتهم امامها من اشلاء وأجساد . ففي مثل هذا اليوم من عام 1856 جرت في استراليا احتفالات عمالية شاركت في احيائها الملايين من الشغيلة ومن مختلف الصنوف والمعتقدات للتعبير عن تلاحمها وتضامنها مع كل عمال وكادحي العالم، وكانت هذه المبادرة هي بداية انفجار بركان الغضب ضد من سلب قوتهم ودمر حياتهم وانتزع رغيف الخبز من افواه أبنائهم، وبعد ثلاثة عقود على الاحتفالات التي اقيمت في استراليا ،وفي عام 1886 أعلن عمال المناجم في ولايتي شيكاغو وكلفورينا الامريكيتين اضرابهم عن العمل احتجاجا على سياسة الامبريالية و المطالبة بتخفيض ساعات العمل الى ثماني ساعات وتحسين ظروف معيشتهم والتعامل معهم كبشر وليس كأدوات تستثمر لمنافعهم ورغباتهم الشخصية، لاسيما وان هؤلاء الكادحين مهددون بالموت لانهم يعملون وسط انفاق مظلمة ضحيتها الكثير، ايلة للسقوط في اية لحظة، وكثيرا ما تهاوت عليهم وراح ضحيتها الكثير منهم، دون ان يحصل احد منهم على ابسط حقوقه. ومن الطبيعي أن هذه المطاليب لم تلقَ ترحيبا من قبل الرأسماليين وتجار الموت ومصاصي دماء الكادحين فعملوا على افشال اضرابهم وضياع فرص المطالبة بحقوقهم والعمل على إخراج الاضراب عن مساره الحقيقي المسالم والذي يتماشى مع الانظمة المعمول بها والقوانين، فأوعزوا لبعض مرتزقتهم بالاندساس داخل التظاهرة والقاء قنبلة كان يخفيها تحت ملابسه على القوات الامنية، لكي يحدث الاصطدام وتتشابك الايدي ويشتد الصراع، وهكذا نفذت الخطة وقام المندس بالتنفيذ والقى بالقنبلة على القوات المكلفة بحماية التظاهرة فأصابت البعض وقتلت عددا منهم مما دفع بهذه القوات أن تفتح نيران اسلحتها وتسبب بمقتل عدد من المضربين ومعظمهم من الفقراء والكادحين الذين لم يكن لهم ذنب بما حصل وكان كل هدفهم ومبتغاهم هو الحصول على حقوقهم العادلة والمشروعة، واعتبر هذا العمل جريمة كبرى لم تشهد لها الولايات المتحدة الامريكية مثيلا من قبل مما اثار غضب العالم، فاعلنت الشغيلة في كل مشارق الارض ومغاربها أن هذا اليوم هو يوم الغضب والاستنكار والتضامن ووحدة الهدف ضد اصحاب النفوس المريضة وعديمي الضمير ونتيجة لما لعبته العناصر المضربة من دور ثابت وشجاع في الصبر والتحمل والصمود، خيب ظن اعدائهم الطبقيين الذين كانوا يعتقدون بنجاح خطتهم واخراج المضربين من دوافع اضرابهم صفر اليدين ولكن الذي حدث هو عكس ما كانوا يتوقعون واصبحوا هم الخاسرين وارغموا على الركوع والاستجابة لمطالب المضربين الذين لم يتراجعوا عن مواقفهم وثباتهم وصمودهم وبذلك حققوا النصر على من اراد بهم شرا وارتفعت راياتهم الحمراء ترفرف مبشرة بميلاد يوم جديد، واعتبر هذا الانتصار نقطة تحول في مسار الدرب الذي اختارته الشغيلة اساسا لحياتها المقبلة وهو ايضا نقطة انطلاق نحو تحرير الانسان من هيمنة وشيطنة اخيه الانسان واساليبه وقوانينه التعسفية، والقت الضوء على حقيقية الصراع الدائر بين الخير والشر وبين الظالم والمظلوم، ينبغي الاسترشاد بها واعتبارها نبراسا نتعلم منها الدروس والعبر، وتجربة عمال المناجم وما قدموه من تضحيات وشجاعة واصرار خير شاهد ودليل على ذلك. لقد اعطت لنا هذه التجربة ووضعت امام اعيننا حقيقة لا تقبل دونها بديلا وهي أن الارادة والعزيمة والثبات هي التي تحقق النصر ومن المؤكد والذي لا يحتاج الى تأكيد أن البرجوازية بمختلف اشكالها عقارية كانت ام صناعية لا يختلف من حيث المعنى والجوهر بعضها عن البعض وكلاهما واحد سواء في التفكير او الخطط او الاهداف فهي وكما هو معروف عنها تتذبذب وتتلون وفقا لطبيعة الظروف وحسب متطلبات المرحلة ، تارة نراها تستعين بالعمال وتدعوهم للوقوف معها عندما تكون مصالحها بخطر وعندما تجد نفسها بمأمن من الخطر واستطاعت أن تحسم الامور لصالحها بأية طريقة كانت تتوجه الى من ساندها ووقف معها وتستخدم سلاحها الطبقي لمحاربتهم وتصفية قياداتهم وشل تحركاتهم وهي لكي يسهل عليها تحقيق ذلك وبدون تكاليف ينبغي عليها أن تتسلق على اكتاف الجماهير وتتربع على عرش المسؤولية وتضع الاجهزة الامنية تحت تصرفها وهذا ما شاهدناه بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ، وهناك حقيقة يجب أن نتذكرها من منا يستطيع أن ينسى ذلك اليوم الرائع لعام 1959 عندما امتلأت شوارع بغداد ومنها شارع الرشيد بالجماهير العمالية والفلاحية والمثقفين وكل شرائح المجتمع العراقي والذي وصل تعدادها الى المليون في وقت كان فيه عدد نفوس العراقيين لا يتجاوز السبعة مليون عراقي وهم يحتفلون بعيدهم العمالي الاول من ايار والذي جعل الارض ترتجف تحت أقدامهم وكان الفضل الاول والاخير يرجع للحزب الشيوعي العراقي الذي استطاع أن يستحوذ على قلوب الجماهير ويجعلها تلتف حول قيادته وتستلهم منه الدروس في حب الوطن وعدم التراخي والاستسلام لسالبي حقهم والذين لا يريدون لهم الخير والتوفيق، واليوم وكادحو عراق الثروات والخيرات يعيشون في اسوأ ظروف حياتهم ، المشاريع و المعامل التي كانت تجمعهم قد توقفت والوضع الاقتصادي نتيجة للفساد قد تدهور واصبح يعاني من الاختناق والكثير من الامور التي لم تعد تجدي نفعا انعكست على حياة العراقيين والذين اغلبهم عمال وفلاحون وحتى الطلبة والمثقفون يدفعون ضريبة هذا الوضع ونسمعهم يطالبون وبأعلى اصواتهم حتى جفت حناجرهم من كثرة الصرخات بالاصلاح وايجاد الحلول ومعالجة مشاكل وازمات البلاد ولكن لا احد يستجيب، ولا ندري ما الذي سيجلبه لنا الغد القادم من مفارقات ومفاجآت وهل سيكون لليل من اخر ؟.
نعم سيكون !!









