عمار العامري
عندما صدرت فتوى الجهاد الكفائي, قبل ثلاثة أعوام, كان الهدف الأبرز صد تمدد الجماعات الإرهابية, التي أصبحت تقاتل على أسوار بغداد. تغيرت المعادلة بعدما استعادت القوات الأمنية الأراضي, التي استولت عليها تلك الجماعات, ليبرز البُعد الإنساني للفتوى, بإنقاذ النازحين والفارين من بطش الإرهاب, بمباركة المرجعية الدينية, وجهود المؤمنين بالنزعة الإنسانية. الحشود الشعبية؛ التي هبت تلبية لنداء المرجعية الدينية, كانت مدركة أن الإرهاب لا يريد الاستحواذ على المواقع الحكومية, والسيطرة على شؤون السلطة, بدليل أن أفكاره وعقائده, تخالف منهج الحياة الإنسانية, فليس لأولئك دين جديد, ولا هم جماعة سياسية, إنما عصابات جمعتهم المصالح, لتحقيق مآرب ضد العراق, متخذة من الإسلام غطاء لتمرير غاياتها, وممارستها القتل والتهجير والسبي, ونهب الثروات أكدت ذلك. بعد تحرير أكثر من ثلثي الأراضي, التي استولوا عليها, والتي تقدر بــ40% من مساحة العراق, بدأت الجموع الملبية لفتوى الدفاع المقدس, تنوع مهامها, فلم تقتصر على حمل السلاح, وتحرير المدن, إنما باشرت بتقديم المساعدات الغذائية والطبية والمنزلية للنازحين, والهاربين من أيدي تلك الجماعات, فامتدت يد العون والمساعدة للدخول في معسكرات اللاجئين, وصولاً للسواتر الأمامية, لإنقاذ الأسر التي تستخدم كدروع بشرية. هذا الأمر ليس جديداً على العراقيين, فالملاحم التاريخية تشهد ببذلهم الغالي والنفيس, من اجل تلاحمهم وتضافرهم, بمصداق تقديمهم لفلذات أكبادهم, شهداء من اجل الدين والعقيدة, فالشهيد حيدر المياحي؛ أحد مجاهدي الحشد الشعبي, كان أنموذجا, وسيبقى عنواناً بارزاً, ودليلاً صادقاً لهوية فتوى الإمام السيستاني, فمقولته؛ “احنه أهلكم لا تخافون”, مخاطباً فيها الهاربين من الأطفال والنساء, ستحفظها الأجيال ما دامت الإنسانية باقية. هذه المقولة الخالدة؛ واحدة من صور ليس الإيثار فحسب, إنما درس من دروس الفتوى المقدسة, التي لابد أن تدرس للأجيال, لاطلاعها على حقيقة المتطوعين من أجل العراق, الذين لم يكونوا أدوات قتالية, مجردة من أخلاق الدين الحميدة, والصفات الصادقة, إنما كانوا نماذجا يحتذ بهم, كلما كانت هناك مقارنة بين من يستخدم الدين غطاء لتحقيق غاياته, وبين من كان متدينا حقيقيا. هذه السمات الصادقة؛ يستلهمها الصادقون والمخلصون من ارتباطهم بإمام الزمان “عليه السلام”, الذي كان وما زال راعياً لأبعاد الفتوى المقدسة منذ انطلاقتها, إن كانت إبعادا سياسية أم اجتماعية أم تعبوية أم إنسانية, فطبيعة الجنود يقتدون بقائدهم, ويستنيرون بهداه, فمن يواجه الرصاص ولا يهاب الموت, فإقدامه على تقديم نفسه دون الآخرين, دليل على إخلاصه من أجل أهدافه, التي نهض من أجلها. لذا نعتقد أن فتوى الجهاد الكفائي؛ منذ انطلاقتها الأولى, ليست استنهاضاً لمواجهة عسكرية فحسب, إنما لنشر معالم الدين الإسلامي الأصيل, وكشف زيف ادعاء العصابات؛ التي جعلت من الدين غطاء لها, فهتكوا الاعراض, ونهبوا الثروات, واستغلوا الأطفال, كما أظهرت الفتوى المباركة للعالم, إنسانية المدرسة المحمدية المجاهدة, ونبل المجاهدين المشاركين فيها.









