اراء وأفكار

آليات التغيير وبنية الخطاب المتشدد

أحمد ستار العكيلي * 

 

ثمة سنّة كونيّة فرضتها قوانين الحياة المتجددة تتمثّل في ضرورة التغيير المستمر وعدم الجمود على حالة واحدة في ظل التحولات الفكريّة الراهنة ، والناتجة عن إفرازات الثورة التكنولوجيّة التي تلاشت معها حدود الثقافة المحليّة ، وباتت الثقافة ببعدها الإنساني المشترك هي المكوّن الجوهري المتجاوز للوحدتين المكانية والزمانية . 

وفي خضم ذلك التحول الجذري في منظومة الفكر الإنساني ، يبرز الخطاب المتشدد و التوافق دوماً للبقاء في الماضي كأحد أكثر الخطابات تصديراً للرؤية الأحادية الرافضة للتنوع الثقافي وقبول الآخر المختلف ، أي أننا إزاء خطاب غير متناسب مع ضرورات العصر ، وبعيداً كلّ البُعد عن فقه الواقع على المديين الحاضر و المستقبل ، ولا مجال لسيادة ذلك النوع من الخطابات لما تحمله من أيديولوجيّات رجعيّة تمثل أغلالاً تعيق الإنسان الحديث عن مواكبة منجزات زمانه ، وتجره على الدوام نحو الماضي السحيق الذي ليس بالإمكان إحياؤه مجدداً . 

المعضلة الكبرى في الخطاب المتشدد أنه خطاب غير متسامح ورافض لمبدأ التحاور والمساءلة المنطقية ، ويفترض باستمرار أحقيته في تحويل رؤاه وأفكاره إلى واقع فعلي ، وإن لم يتحقق له ذلك اتجه إلى العنف كوسيلة للتغيير بالقوة ، وهي أداة غير حضارية و تكشف عن واقع فكري مأزوم وعاجز عن الاتجاه نحو الأساليب المتطورة لمسايرة المتغيرات الراهنة التي لا تأتي عادة كخيار أمام المجتمعات ، بل كضرورة لتحقيق التقدم الإنساني و المعرفي. 

الخطاب المتشدد يكشف عن نسقيّة زاخرة بالعنف والصدام ، ويتبدى ذلك عادة في نمطيّة الخطابات ونزوعها نحو التهديد والتكفير ، والايمان المطلق بأن لفئة محددة داخل وطن اشبه بقارة، حق التفكير وتحديد المصير نيابة عن سائر فئات و تنوع المجتمع ، وهذا الزعم يمثل لبّ الإشكال في التعاطي مع تلك الخطابات التي تهمّش الاتجاهات الفكرية الآخرى ، وتصمها بالضلال و الحياد عن الطريق المستقيم لمجرد أنها اختارت نمطا تفكيراً مغاير عنها ، إذن نحن إزاء منظومة فكرية إقصائية لا يمكن لها أن تبني مجتمعاً يكفل لجميع افراده حق المشاركة في أي نهضة تنموية .

التغيير ، في المجتمعات الحديثة لم يعد نتاج أفكار ثلة من أفراده ، بل تحوّل إلى إفرازات تحددها منظومة متكاملة من المؤسسات المدنية التي تراعي المصلحة العامة ، ولاتخضع في قراراتها للتوجسات غير المنطقية أو لاجترار الموروث دون تمحيصة وتحديد ما يصلح لاستعادته ونبذ ما من شأنه إعاقة مسيرة التقدم والنماء .

الخطاب المتشدد بدأ تدريجياً بالتراجع عن تصدر المشهد المعاش ، وسيواجه مع مرور الوقت المزيد من الرفض المجتمعي والعزلة بعد أن أثبتت التجارب الواقعية عدم كفاءته في إحداث أي تغيير وتقدم فكري ومعرفي وأخلاقي ، وسيحل مكانه تدريجياً ايضاً الخطاب العقلاني الوطني الديمقراطي  ، المؤمن بضرورة الانفتاح على الآخر بما لا يمس جذور الهوية ولا يتنافى مع القيم والمبادئ الراسخة والاصيلة .

 

* كاتب وصحفي .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان