د. صادق السامرائي
المجتمعات الحية تمتلك خطابا وطنيا واضحا صريحا تجتمع عليه القلوب والعقول والنفوس , وتعتصم به الإرادات الساعية للقوة والقدرة والعزة والرقاء , ولا يمكن لمجتمع أن يمضي في سكة الحياة المتصاخبة دون ذلك الخطاب الجامع المانع. وهذا الخطاب يتضمنه الدستور وتحميه القوانين والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية , وعندما لا تتوفر هذه المنطلقات في أي مجتمع فإنه يتحول إلى ساحة للقول المنكود , أي الذي يجلب النكد , لأنه يساهم في تأجيج الأزمات وتعقيد المشكلات والإستثمار في الويلات. ويبدو ذلك السلوك واضحا في المجتمعات التي غاب فيها الوطن وتميّعت الدولة ككيان ومؤسسة , كما في بعض دول المنطقة الشرق أوسطية , التي تأججت فيها النزاعات التدميرية الفائقة القدرة على التهجير والتخريب وسفك الدماء. كما أن المجاميع والفئات بأنواعها قد أصيبت بوباء الإنفلات والتمنطق بمفردات العدوان والإنتقام , وصار لكل حارة وشارع مَن ينطق بما يساهم في التعثر والغياب , وكلٌّ يحسب نفسه صاحب القول الفصل والقرار الصائب والآخرون أعداء , ولا يجوز له أن يكون متفقا معهم على جواب. ولهذا ترى التصريحات المتضاربة والآراء الفوضوية والكتابات الحَمَقية تطيش في الأيام , كأنها السهام الخائرة الحائرة التي أضاعت أهدافها وتعددت أوصافها وتسمياتها , وتخرّبت ديارها بيديها , لأنها صارت تُرمى “عامي شامي” , وهي ترفع رايات الطيش والتيهان الأليم. ولا يمكن لمجتمع أن ينجز شيئا وفيه أفواه تبوح بما تشتهيه من الكلمات والعبارات وفقا لحالتها النفسية ودرجتها الإنفعالية والعاطفية , ولكمية ما يُحقن فيها من الأموال وما توعد به من الآمال واللذائذ والأحلام. وعليه فإن من الضرورات القصوى أن يتوحّد الخطاب في المجتمع , ويعبّرعن إرادته الحرة الحية المتفقة ومصالحه وتطلعات أجياله.









