عيسى حسن الياسري
ومملكته الصغيرة الباذخة الجمال .. وكما يتوجع لرحيلنا أحبتنا الذين تركناهم يتكئون على جدار الحزن والأنتظار.. يتوجع – ليدر – بعد أن وهب المعلم أشقاءه الذين ولدتهم أمه معه لأصدقائه ويظل يبحث عنهم ولا يجد منهم أحدا ً: أصبح البيت فارغا ًبعد رحيل أشقائي .. كل ٌ إلى وجهة لم أتبينها .. ولم يخبرني عنها أحد … ولأن ّ – السياسة – صارت فريضة أكثر أهمية حتى من فرائض السماء ..وعلى الجميع أن ينقادوا لها فلن نستغرب أن يتعلمها – ليدر – .. حتى أنه أخذ يعرف ما الذي تعنيه لفظة – دكتاتور – وغيرها من المصطلحات التي تتردد على لسان سيده .. ولم تكن السياسة وحدها هي التي تعلمها – ليدر – عن سيده وانما صار السيد يأخذه معه ..سيما عندما لا تكون هناك – رحلة صيد – بعد أن احترف مهنة والده الذي اصابته كلاب – القائد – بجراح لا تبرأ إلى أماكن تثير فيه الدهشة : الأوقات الأخرى التي لا نرغب فيها بالسفر بعيدا ً .. كان يحملني معه إلى أقرب معرض فني أو قراءة شعرية أو رؤية فيلم أو مسرحية .. أو زيارة المتحف الوطني … ”وكما في الكوابيس تبدأ نذر أحداث غامضة .. وكل ليلة تظهر كائنات على مقربة من البيت .. أضواء سيارات خافتة .. رجال مدججون بالاسلحة .. وأخيرا ً ينهد كل ّشيء .. ويوضع سيده في سيارة لانوافذ لها .. ويؤخذ إلى جهة مجهولة .. حيث يهبط ليل ثقيل على المدينة .. ومعه تبدأ رحلة تشرد – ليدر – لأنه هو الآخر ليس بمنجى من العقاب الذي أنهى حياة سيده .. ومصادرة البيت .. ولم يجد أمامه سوى مرافقة قطيع من الكلاب الهاربة هي الأخرى : كنا نمضي بلا هدف .. شيئا فشيئا بدأت أشعر بأن الكلاب الأخرى قد بدأت تعتاد على تنفس الهواء الطلق .. مع تقدم الوقت صرنا نفتقد لأثر واحد منها بعد أن تركنا وراح يتسلل لبيت او مزرعة ..أو يقرر فجأة بأن مصيره يقوده حتى وجهة معاكسة تماما ً لوجهة تقدمنا فيتسلل مغادرا ً دون نباح … ” . كان –ليدر – يعرف أنه من سلالة نادرة ..لذا فهو الأكثر خوفا ً من اكتشاف هويته .. وهنا يمرر الروائي – عبد الهادي السعدون – استعارة ترميزية جعلها تتخفى وراء – سلالة ليدر – النادرة .. ليعبر بها نحو مصائر أولئك – الذين ولدوا بعيون مفتحة – .. إنهم النخبة الفاضلة في البنية المجتمعية .. والتي تشكل خطرا على السلطة .. كونها ترى ما لايراه الآخر الذي ولد بعيون مغلقة .. ورغم كل ما احاط به الكاتب نصه من التخفي .. وتحييد الكائن البشري بعيدا ً.. إلا أن هذا كله لم يمنحه الحصانة التي تبعد عنه شبح الأبادة .. لأنها شرط أساس يمنح – الدكتاتور – المتسلط فرصة الخلاص من – أصحاب العيون المفتوحة – المتمثلة في شريحة – المثقفين – من أجل أن تمتلئ المدن بحشود الرعاع الذين يصلحون كأدوات تنفيذية مخلصة بيد – السلطة إن رواية – مذكرات كلب عراقي – هي رواية تجسيد محنة المثقف .. ومحاولة مسخه كما هو الحال في – مسخ كافكا – الذي يرتدي جسد – صرصار – .. ومشاعر وأحاسيس كائن بشري استثنائي سجين في شرنقة – صرصار – مشوه .ولكي يزاوج الكاتب بين موروثه الأول .. وحاضنته الجديدة بكل منجزها الحداثوي ..فقد لجأ إلى إضفاء لمسات شاعرية منحت اسلوبيته السردية شفافية قريبة من ذائقة المتلقي .. وفي الوقت ذاته عمقت الفعل المتحرك ليكون قابلا للتأويل ..ومبتعدا ً عن المباشرة والأنكشاف الظاهر .كما أفاد الكاتب من الموروث البنائي من خلال تقطيع النص إلى كتل مستقلة بعناوينها ..وكأن كل كتلة مستقلة بذاتها ..وتتحرك وفق منطقتها الخاصة .. ولكن هذا لا يعني أن الكاتب قد أضعف من بناء النص وتقنياته الملزمة .. بل أبقى ..وببراعة الروائي المتمرس على تلك العلائق التي تشد ثيمات النص بعضها إلى الآخر .. وصولا الى نقطة النهاية .. النهاية التي تشكل عودة إلى نقطة البدء .. حيث تحول البلد البعيد إلى أكثر مناطق الحنين قربا من القلب .. وذلك الأرث الثقيل الذي حمله – ليدر – معه ..والمتمثل في – مذكرات سيده – التي لا يريد لها أن تختفي عندما يعانق اغفاءته الأخيرة ..ويركن إلى راحته الأبدية بعد رحلته – الأوديسية – التي لم تنتظره عند نهايتها – بنلوب- المخلصة لتزيح عنه أشنات سفره الطويل .. بنلوب ليدر – اغفاءة أبدية تقترب ..فاتحة الطريق أمام نص روائي ينهض بتدوينه المتلقي ذاته ..وليس كاتب الرواية الذي أنهى دوره ببسالة لا تخلو من ندوب غير قابلة للشفاء .









