عادل عبد الله
من يستمع بامعان الى الإذاعات العراقية أو يشاهد عدداً من فضائياتنا، قد يضع يده على أحد الأسباب التي أدت الى التناحرات الطائفية الحاضرة والماضية، وقد يكتشف- وربما بوضوح أكثر- طبيعة التوجهات ونوع الخطاب الاعلامي للكتل والشخصيات السياسية المالكة والممولة لهذه الاذاعات والفضائيات المحلية. معنى هذا بعبارة أخرى، ان ثمة اختلافات في الفهم السياسي والاجتماعي لطبيعة الحدث الواحد، وهو فهم خاص موجه على الدوام بهذه الايديولوجية التي تتبناها هذه الكتل السياسية أو تلك. ومعناه أيضاً، وبعبارة تطبيقية، ان نشرة الأخبار التي تقدمها الاذاعة أو الفضائية التابعة للكتلة السياسية الفلانية ستكون مكرسة لتغطية نشاطات الشخصيات المهمة في الكتلة ذاتها أولاً، ثم تكون هذه الأخبار من بعد متضمنة للاحداث الرئيسة الأخرى في البلاد، لكن من خلال وجهة النظر السياسية والايديولوجية التي تتفق مع مصالحها لا مع مصالح البلد أو رؤيته السياسية العامة. ولا يقف الأمر عند حده السياسي المتمثل بنشرة الأخبار فقط، بل انه ليتعدى حدّه الاخباري هذا ليشمل مجموعة البرامج الحوارية التي تعضد التوجه السياسي للقناة باستضافتها لشخصيات اعلامية وثقافية مأمونة العواقب، من حيث طروحاتها وآرائها، الطروحات التي كانت القناة الفضائية أو الاذاعية، قد ضمنت مسبقاً ان كل ما سيقوله المحلل السياسي المستضاف سيكون مستثمراً لصالحها لا محال. أما اذا تجاوزنا فئة البرامج السياسية وما يندرج تحتها الى فئة البرامج الأخرى الثقافية والتربوية والترفيهية والخدمية، فان الأمر لايكاد يختلف بشيء عن سابقه، اذ انه يتبع مبدأ الاستقلال والخصوصية الصارم ذاته، فالبرامج التي تتخذ من التراث أو التاريخ مضموناً لها تعمد مع سبق الاصرار الى انتقاء موضوعات خاصة تتفق بطبيعة الحال مع ايديولجيتها السياسية/المذهبية، وهكذا حتى ليمكن القول من خلال الاصغاء الى عدد من وسائل الاعلام هذه بأن للعراقيين أكثر من تراث مشترك واحد وان لهم أكثر من تاريخ بعيد أو قريب واحد ينتمون اليه جميعاً وهذا هو الحال نفسه في البرامج الترفيهية من مسلسلات كوميدية وتاريخية واجتماعية، اذ ان هناك على الدوام رؤية خاصة للتاريخ والتراث والعقيدة والحدث السياسي الحاضر، ولما كان التلفزيون -وهذه هي النقطة الجوهرية- أحد أهم وأخطر الوسائل التثقيفية في الأزمنة المعاصرة، كان من الطبيعي جداً أن تتشكل ثقافة المشاهد وفق مجموعة البرامج المتنوعة التي يقدمها له هذا الجهاز الخطير. ومثل هذه الحقيقة -حقيقة خطورة هذه الوسيلة الاعلامية- وأثرها البالغ منقطع النظير في تشكيل الوعي التربوي والثقافي لدى المشاهد، قضية، شغلت وأصبحت مادة أساسية للعديد من طروحات الفلاسفة والمفكرين المعاصرين،ادورنو و بورديو، وهابرماز، وبودريارد، حيث أظهر هؤلاء المفكرون عبر التحليل الاجتماعي والفكري ان نسبة تأثير التلفزيون في تشكيل وعي المجتمعات الحديثة، تفوق بما لا يقارن أية نسبة تربوية أو تعليمية تسهم في تكوين هذا الوعي نفسه. ما أود أن اقوله بهذا الصدد أخيراً، ان حرية الصحافة والاعلام، الحرية التي تنعم الآن في ظلها كل هذه الاذاعات والفضائيات، هي قبل كل شيء حرية في وطن، وطن محدد بمكونات اجتماعية معروفة، مذهبية وقومية ودينية وسياسية. وطن ينبغي النظر الى الحرية الموجودة داخل حدوده على أنها حرية مستمدة من وحدته الجغرافية والتاريخية والثقافية، من ماضيه الموحد لهذه الجماعات، ومن مستقبله الذي ستمضي اليه هذه الجماعات كلها. وهذه هي النقطة الجوهرية الأخرى، أعني إن مستقبل هذا الوطن سيتحدد بالضرورة من خلال نوع تعامل هذه الفئات مع الحريات المتاحة لها داخله، فان سعت كل فئة إلى بناء مستقبلها الخاص وحدها، من خلال الحريات المتاحة لها داخل حدود هذا الوطن، فان نقطة التناحر لامحال، هي النقطة التي ستجتمع عليها هذه الفئات كلها مستقبلاً، النقطة التي تمثل في الوقت ذاته، مستقبل الوطن الذي تعاضدت كل تلك الجماعات على بلوغه مثل هذا المصير المدمر. أما أن سعت كل فئة الى بناء مستقبلها من خلال الحريات المتاحة لها داخل حدود هذا الوطن، مقدمةً مستقبله العام الواحد على مستقبلها الخاص، فان ما ستصل إليه هذه الفئات، وبالضرورة أيضاً، هو نقطة التكامل والاستقرار، النقطة التي تكون فيها حصة الوطن ومصلحته أكبر من أية حصة أخرى تخص هذه الجماعة أو تلك الفئة. بقي أن أضيف هنا، مسألتين مهمتين، أولاهما، أن وضع التناحر الإعلامي المضر بمستقبل الوطن هو الذي نعيشه الآن، دونما ريب. أما النقطة الأخرى فهي، أن نهاية وشيكة لهذا الوضع المأساوي غير ممكنة أبداً، إلا عبر تشريع الدولة لقانون ملزم ينظم عمل وسائل الإعلام داخل حدود البلاد. قانون يعرّف ويفصل بين مفهومي الحرية والفوضى.









