ثقافية

حيدر مكي يصدر كتاباً جديداً عن المسرح

صباح كاظم محسن

 
عنوان الكتاب : الخروج إلى الداخل
الناشر : دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر / بغداد / 2013
 
  يكادُ أَنْ يَتَّفقَ مُعظم (الأنثروبولوجيين ) على أنَّ وجودَ المَسرح مُلازِما لطفولةِ الحضارةِ ونشأةِ الوجودِ الإنساني , وفي (الميثولوجيا) مُمَارسةُ الطّقْس المَسرحي ـ البدائي ـ مَعَ الحياة اليومية للإنسان , وَقَدْ مرَّ المسرح بتطورِ أشكالِه وتَنَوّعِها مَعَ التّطور الحَضَاري والتكنولوجي في مَسِيرةِ الإنسَانِيَة , مِن مُمَارَسة الطّقوس الدّينية مِن (طَوطَمِيةِ التَفْكِير البِدَائي للفردِ والقبيلةِ في الاعتقادِ) مرورا بالفلسفةِ اليونانيةِ الى عَصْرِ العَولَمةِ وأتَّخَذَ أشكالا مُتَنَوَّعَة.  
التّجربةُ ( الأستيطيقية ) وتَأْطيْرُ الفَن بِنَسقِ القِيَمِ (الجماليةِ ) و وَظِيفتها ومَرامِيها وأَهْدَافِها في الاقْتِران بالخيرِ والمَنفعةِ والتَّسامي والتّكامل من خِلالِ الرُّؤى الجَمَالية التي طَرَحَهَا (سُقْرَاط) الذي أَكَّدَ على العَقلِ كَأَساسٍ في التَّلقي الجَمَالِي , كذلك أفلاطون الذي جَعلَ العَقْلَ مستوعبا للتجربةِ ( الأستيطيقية ) ثُمّ ظُهور المَدارِس الفِكرية والفلسفية الكُبرى على يَدِ ( كانت , ونيتشه , ..) وعشرات المدارسِ الفنيةِ والفِكْريةِ والنَقْديةِ التِي تَدْرُس فَلسفةَ الأدَبِ والفَنِّ كَمَا دَرَسَها (هربت ريد ) فَضْلا عَنْ المَدْرَسةِ الإسلاميةِ وخصوصا في التّصوفِ ورؤيَتِها لِلْفَنِّ والأَدَبِ مُسْتَوحية القِيَم الجَمَالِية مِن الجَمَالِ الإلهي عِنْدَ واجبِ الوجود الذي يَسْكُبُ فَيْضَ الجمال على الوجودِ الكَوني بِكَافَّةِ اشْكَالِه , وكَمَا أَكَّدَ (هيجل) على الحُرِّيةِ والإرادَةِ والشّعور في عَمَلِيَةِ الأبْدَاع الفني , تَرى ذلك في المَسرحِ تَحْدِيدا , ظهور الآراء المتنوعةِ من المُنَظِّرين َوالنّقاد وكُتَّاب المَسَرح والمُخْرجينَ أَثْرُوا التَجْربة عَالَمِيا مِنْ ( شِكِسبير) الى ( ستانسلافسكي و برتولت بريشت ( Bertolt Brecht وبأَشْكَالِ المَسرَح المُختلفة كـ ( المَسرح المَلْحَمي والاحتفالي والفُرْجَة ومسرحِ الطفل والدُّمى والمسرح المَدْرسي ومسرح الصورة ) حَسَب رُؤية المُخْرِج واستخدام ( سِينوغرافيا) العَرْض وإسْقَاطِه على الواقِعِ أو في فَرَضيات الخَيال العِلمي ..الخ  
وَلِفَضَاء النّص تَأويل وإحَالة وإزَاحة ومَرْمُوز للدَلالة حَسَب قِرَاءة المُخْرِج المُتَمَكِّن ليُهَيْمِن على العَرْض وَيُؤَثِّر في المُتَلَقِّي مِنْ خِلالِ مَبْثوثَتِه وشَفْرَاتِه وإيْهَامِه لِيَتَفَاعَل مَع دراما الحَدَث المُشَاهِد أو المَقْرُوء , بالطَّبْع التَأْثير ( السَّمْعَ بَصْرِي ) أَكْثَرُ تَأْثيرا في التَّلَقِي مِن القِرَاءةِ فِيْمَا لو نَجَحَ المُخْرِج بَلَمْلَمَةِ أرْكانِ العَرْضِ بِكُلِّ جَوَانِبِه مِن خِلالِ هذا الرُّكَام الجَمَالِي والتَارِيخي يَبْحَث كُلّ مُخْرِج أَوْ كَاتِب مَسْرَحِي لِيَضَعَ قَدَمه عَلى الخَشَبةِ المُقَدَّسَةِ ويَتْرُك أثَرَا تَحْتَ الشّمسِ وقَدْ يَنْجَحُ هُنا أو يُخْفِقُ هُنَاك.  
وَفِي مَسْرَحِنا العِراقي تَجَاربٌ كُبْرَى لأَكْثَرِ مِن قَرْنٍ عَلى العُروضِ المَسْرحيةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاء في العاصِمَةِ أو مُدِنِ الهَامِش كَمِدِيتِنا المُبْدِعَة (النَّاصِرية ) التي قَدَّمَتْ أجْيَالا مَسْرَحِية تُثْرِى بالخِصْبِ والأبْدَاعِ مُنْذ العِشرينيات الى يَوْمِنا هذا , نُقِشَتْ أَسْمَاؤها بِحِروفٍ مِن نورٍ في فَضَاءِ الأَلَق ومِن تِلْكَ التّجارب , تَجْرُبَة المُبْدِع (حيدر مكي ) في التَّمثيلِ والكِتابَةِ والإخراجِ مُنْذ أَكْثَر مِن عَقْدين , قَدَّم أعْمالا شَاهَدْناها بَقِيَتْ في الذّاكرة كـ مَسْرَحِيةِ (بَطّيخة فرعون ) و(حِكَايةُ الشّاطر صفر ) و(تَوْلِيفَة) و (شِلَة أَخْبَار ) و(كَشف المَستور ) و(استبيانات مَسْرَحية ) و(فاول) و (خَارِج الدّائرة ) ومسرحية (الخروج الى الداخل. )   في مَسَارِحِ المَدِينَةِ أَو خَارجها كمَسْرَحِية (خَارِج الدّائرة ) التي فازَتْ كأَفْضَلِ عَمَل مُتَكامِل على القطر في مَهْرَجان المَسرح الشّبابي على قَاعةِ (حقّي الشبلي) عــــام 1999ومسرحية (شِلَّة أَخْبَار ) كأفضل عمل مُتَكَامِل في مَدِينة العمارة ضِمْنَ مهرجان مسرح الجنوب 2007 ومسرحية (كَشف المَستور ) التي عُرضَت في مركز وأقضية الناصرية وفي مُحافظة البصرة على قاعة (عُتْبة بن غَزوان ) في العام نفسه.. أما في مَجَال المَسْرح المَدْرَسي فَقَدْ أسْهَمَ (مكي) بتقديم نُخْبَةٍ من الطّلبة مِنْ خِلال الأَعمال التي قُدَّمَتْ كمسرحية (حِكاية الشاطر صفر) عام 1998 و(بَطيخة فرعون ) عام 1999 ومسـرحية ( توليفة ) عام 2000 وفي هذه الأعمال إثَارة وتَلْميح وتَرْميز لإدَانَةِ الطّاغوت والاستبداد في زمن النّظام الفَاشي , ففيها جُرْأَة على مُنَاهَضَةِ البَاطِلِ في زَمَنِ تَسَيّد (المسرح التجاري) في العَاصِمَة وكَانَتْ الأَعْمَالُ المُقَدَّمَة صَفْعَةً للاسْتِبْدَاد الذي يَكْتُم الأَنْفَاس ويَضطَهِد المُجْتَمَع واداءه للتَخْرِيب العِلْمِي والفِكْري والثَقَافِي في أَبَان الحُكْم المُطْلَق , كذلِكَ قَبْلَ سقوطِ الصَنَم عام 2001 شَاهَدْنا عَرْضه الجَمِيل والجَريء (ثَامِن أَيّام الأسبوع ) الذي أخرجه (مكي) وقام ببطولته وخَتمَ أعْمَالَه بِعَرْضه الأَخِير في يومِ المَسْرح العَالمي (2012) بِمَسرحيةِ (الخروج الى الداخل ) تألِيفا وإخْرَاجا باسم ( نقابة فناني ذي قار) وهِي تَنَاوَلَتْ ثِيْمَة مُهِمَّة , مِحْنَةُ الإنسانِ وسُؤالِهِ عَنْ الحُرّيةِ والصّراعِ بَيْنَ الأضْدَادِ , أنّ الاشتغالَ الجَمَالِي عَلَى انْتَصَارِ قِيَمِ الحَقِّ والحُرِّيَةِ ما يَسْعَى لَهُ فَنَّانُنَا (حيدر مكي)   
إنَّ هذه المَدِينَةِ التي قَدَّمَتْ للمَسْرَحِ العِرَاقي والعَربي الأَسْماءِ اللامِعَةِ , لازالَتْ تُسْاهِمْ في فَعَّالِياتِه وَنَشَاطِهِ وَقَدْ حَصَدَ عَشَرات مِنْ أَبْنَاءِ هذه المَدِينَة الجَوائِزَ الإبدَاعِيةَ في التَّمْثِيلِ والإخْرَاجِ وكِتَابَةِ النَّص المَسْرَحِي , وبَعْض مِنْ تِلك النّصوص قُدِّمَتْ على مَسَارحِ عَرَبِية وخَارِجِية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان