ثقافية

مدخل إلى المنهج النقدي الذرائعي العربي

هيثم محسن الجاسم

تمهيد

شهد النقد الأدبي العربي، منذ نهايات القرن العشرين، تراكُمًا ملحوظًا في المناهج المستوردة، التي تعاملت مع النص بوصفه بنية مغلقة، أو خطابًا لغويًا منزوع السياق، أو لعبة علامات منفصلة عن الفعل الإنساني. وعلى الرغم من القيمة المعرفية لتلك المناهج، إلا أن الإشكال الجوهري ظل قائمًا: غياب الفاعلية، وافتراق النص عن وظيفته الوجودية والاجتماعية.

من هذا المنعطف، وُلد المنهج النقدي الذرائعي العربي بوصفه مشروعًا معرفيًا أصيلًا، لا يكتفي بوصف النص أو تفكيكه، بل يسعى إلى فهمه باعتباره كائنًا حيًا يؤدي وظيفة، ويتحقق عبر غاية، ويتفاعل مع محيطه الإنساني والحضاري.

أولًا: مفهوم الذرائعية وأصولها الفكرية

الذرائعية، في جوهرها، ليست نفعية ساذجة، ولا خطابًا أخلاقيًا مباشرًا، بل هي رؤية فلسفية-نقدية تنطلق من سؤال مركزي:

ماذا يفعل النص؟ ولماذا كُتب؟ وكيف يُحدِث أثره؟

فالمنهج الذرائعي يستلهم من التراث العربي مفاهيم المقصد، الحكمة، البلاغة الوظيفية، التداول، والاعتبار، ويعيد صياغتها ضمن إطار نقدي حديث، يرى النص وسيلةً معرفية وجمالية لتحقيق غاية إنسانية، لا غايةً شكلية منغلقة على ذاتها.

ثانيًا: النص بوصفه كائنًا حيًا

ينظر المنهج الذرائعي إلى النص الأدبي على أنه:

كائن يتحرك بين الذات والآخر

وينمو داخل سياق ثقافي وتاريخي

ويتحقق عبر فعل لغوي مشحون بالقصد

فالنص، وفق هذا التصور، لا يُقرأ بمعزل عن:

منتجه (الكاتب)

ومتلقيه (القارئ)

ووظيفته (الأثر، التغيير، التحريض، التنوير، التذكير)

ومن هنا تتجاوز القراءة الذرائعية الثنائية التقليدية بين الشكل والمضمون، لتؤسس قراءة تكاملية ترى الجمال أداة، لا معزلًا.

ثالثًا: مستويات المنهج النقدي الذرائعي

يقوم المنهج الذرائعي على جملة من المستويات المتداخلة، لا تعمل بمعزل، بل في حالة تعشيق معرفي، من أبرزها:

المستوى القصدي

ويُعنى بتفكيك نية النص وغايته العميقة، بعيدًا عن التفسير السطحي أو الإسقاط الأيديولوجي.

المستوى التداولي

حيث يُدرس النص بوصفه فعلًا تواصليًا، يراعي المقام، والسياق، والمتلقي، وأفق التوقع.

المستوى الوظيفي

وهو جوهر المنهج، إذ يُسائل النص: ما وظيفته؟ هل يؤدي دورًا معرفيًا، إنسانيًا، تحرريًا، نقديًا؟

المستوى القيمي

الذي يشتبك مع منظومة القيم دون وعظ، ويكشف كيف تتسرّب القيم عبر الجمال والرمز.

رابعًا: المنهج الذرائعي والهوية النقدية العربية

لا يدّعي المنهج الذرائعي القطيعة مع المناهج الأخرى، بل يؤمن بـ التثاقف الواعي، غير أنه يرفض التبعية المفهومية. إنه منهج:

ينطلق من اللغة العربية

ويستند إلى التراث البلاغي والفكري

ويتفاعل مع الأسئلة المعاصرة

وبذلك يسهم في استعادة دور النقد بوصفه فعلًا ثقافيًا مسؤولًا، لا تمرينًا لغويًا معزولًا.

خامسًا: أهمية المنهج في قراءة الأدب المعاصر

في زمن الأزمات والحروب والتشظي القيمي، يبرز المنهج الذرائعي بوصفه أداة قادرة على:

قراءة أدب المقاومة والذاكرة

فهم السرديات النسوية والإنسانية

تحليل القصة القصيرة جدًا بوصفها تكثيفًا وظيفيًا عالي الدلالة

إنه منهج يعيد الاعتبار للسؤال الأخلاقي دون مصادرة فنية، ويمنح النص حقه الجمالي دون عزله عن واقعه.

خاتمة

يمثل المنهج النقدي الذرائعي العربي محاولة جادة لإعادة وصل الأدب بالحياة، والنقد بالمسؤولية، والجمال بالغاية. إنه ليس وصفة جاهزة، بل أفق مفتوح للقراءة والتطوير، يدعو النقاد إلى تجاوز الاستهلاك المنهجي نحو إنتاج معرفة نقدية عربية فاعلة.

فحين يستعيد النص وظيفته، يستعيد النقد معناه، وتستعيد الثقافة قدرتها على الفعل.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان