ثقافية

حجر  رشيد” لـ ايمان سند .. لغة المعاجم والمتن الأثري

طارق العمراوي

نحتت الكاتبة والقاصة إيمان سند متن نصها “حجر رشيد” بمعاول معرفية ومعلوماتية، غاصت في التاريخ القريب والبعيد لتقريب عدة صور للقراء من الأطفال واليافعين وغيرهم، كما نحت المصريون القدامى تماثيلهم ومنحوتاتهم وقصورهم ومعابدهم.

وها هي الكاتبة إيمان سند تعود إلى التاريخ مستلهمة الفكرة والأحداث والإعجاز المعماري المصري الذي حير العلماء والعامة على مر العصور، لتقدم نصًا حول أحد أهم الأحجار التي أسالت الكثير من الحبر فهمًا وتدقيقًا وتحليلًا، وهو حجر الرشيد.

أولًا: تحركت الكاتبة داخل معاجم البلدان والأوطان، فعن مصر ذكرت القاهرة والإسكندرية والصعيد وأبو قير وجبل المقطم وميناء بولاق وقلعة سان جوليان والأزبكية.

وهذه المدن والأماكن بصمتها أحداث أرختها وجعلت منها مدنًا معروفة ذات صيت، ومعروفة للقاصي والداني. فهذا حجر الرشيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أشهر معه هذه المدينة، والأزبكية شاهدة بإحدى منازلها على اغتيال “كليبر”.

وأبو قير ستذكر كلما ذكرت هزيمة فرنسا على يد الأسطول الإنجليزي واقتحامها بعد ذلك القاهرة التي شهدت عقد معاهدة الصلح.

وهذا الصعيد يقول عنه “رينيه”: “كنت في الصعيد ضمن كتيبة الجنرال ديزيه كما تعرف، وقد خرجنا منذ ما يقرب من عام لتأديب مراد بك ورجاله في الصعيد”.

والمعجم الثاني هو مدن بلاد الفرنجة وما جاورها، فقد وقع ذكر عدة مدن، وأشهرها العاصمة باريس، وبها معهدها القومي الذي سيدرس نسخ الكتابات على حجر رشيد، وكانت معروفة ومحبذة لدى العديد إذ يقول النص:

“فكان يقيم في باريس فهو يحب عالم المدن والأضواء حيث يتألق فيها الفنانون أمثاله”.

وبها أيضًا مدرسة اللغات الشرقية، لأن الشرق سحر أهل الغرب عامتهم وخاصتهم: جنودًا وفنانين وغيرهم، ومدينة “جرونوبل”.

وهذه دولة الإنجليز وعاصمتها لندن، والمتحف البريطاني الشهير، والجمعية الملكية، وعاصمة إيطاليا روما، وإحدى مدنها نابولي.

وهذه البلدان والأوطان تخوض حروبًا وتستعمر دولًا أخرى وتمارس أبشع أنواع القتل والتقتيل، ومنها متابعة الثوار والمتمردين، في مثال “علي إبراهيم”، وإعدام الطالب السوري سليمان الحلبي صحبة رفاقه الثلاثة، وإعدام محمد كريم حاكم الإسكندرية، وسرقة آثار مصر، وغيرها من الدول. وصراع الكبار في مثال الإنجليز والفرنسيين على مصر، وهزيمة الثانية، بل وتتسابق هذه الأمم في العلم والمعرفة.

وتورد الكاتبة عرضًا لمسألة هامة هي علاقة العلماء بالسياسة، في مثال ملك إنجلترا عندما قال، وهو متابع للشأن الثقافي والحضاري:

“إن علماءهم أفضل من ساساتهم، ولذلك يسعدني قبول هديتك أيتها اللورد، ولكنني سأهديها بدوري إلى المتحف البريطاني حتى يتاح لأكبر عدد من العلماء فرصة دراسته عسانا نستطيع اللحاق بالفرنسيين”.

والتسابق في معركة كشف أسرار الشرق الساحر، كما رفعت رايات القتال والتمرد والنضال ضد كل من حاول استعمار وظلم أهالي مصر كالمماليك ونابليون والإنجليز. ومن هنا تدافعت الأمم وتحاورت الحضارات وتصارعت عبر الاستعمار المباشر، بل واعتبرت هذه الشعوب خارج دائرة التحضر. وقدمت الكاتبة إحدى الأمثلة الدامغة وهي عدم الاكتراث بالثروات الأثرية والتاريخية الموجودة بأرض مصر، إذ قال أحدهم في حديثه عن مدينة رشيد:

“أنا لا أثق في هؤلاء العمال الذين ينظرون إلى هذه الآثار على أنها مجرد تماثيل وأحجار”.

وعن هذا التدافع والصراع اعتبرت الشعوب المستعمرة الغازي ناعته بالعديد من النعوت المشينة كالغزاة والرعاع والأغراب والغمة، مع مقاومة شرسة واغتيالات لشخصيات عسكرية وإدارية وغيرها. وتعلّم اللغة نتيجة مخالطة التجار واختلاف الحضارات والثقافات. ومن هنا، فالغازي سيمرر ثقافته وتقاليده حتى وإن تعارضت مع عقليات الآخر، والذي عادة ما يرفضها، كما قال السيد محمد البواب:

“لقد انتشر الفرنسيون في كل مكان، وهم يحاولون نشر عاداتهم القبيحة هنا، فهل نتركهم يفعلون ما يريدون ببلادنا؟”.

ومن جهة الغازي، فقد قدم نابليون أكثر من 100 عالم وفنان، شدهم هذا الشرق الساحر وأرادوا البقاء هناك، فبنوا التحصينات وهدموا أبواب الحارات والأزقة كي يتمكنوا من مطاردة الثوار، كما وضعوا المدافع على جبل المقطم لقصف القاهرة. وأهم ما فعلوه سرقة آثار مصر، إذ يقول النص:

“حيث رأى أحمد لأول مرة تلك المجموعات الضخمة من الطيور والحيوانات والوثائق والمخطوطات والصور والكتب والآثار التي جمعها علماء وفنانو الحملة خلال السنوات الثلاث التي قضوها في مصر”.

وهناك من عشق تلك الأرض وأهلها ونسائها وصبر حتى فاز بإحداهن، بل وأسلم، إذ قال رينيه:

“لا يمكنك اعتباري واحدًا منكم، أنا أيضًا قد وقعت في عشق هذه الأرض ولن أفكر أبدًا في خيانتها أو إلحاق أي أذى بأهلها البسطاء الطيبين”.

أما الآثار المصرية فقد توزعت في المكان وفي المعالم والمواقع الأثرية. وعن الأمكنة، فكان رشيد ومنها الحجر الثمين، والصعيد، والقاهرة، والأقصر، والمعابد، والقصور، والتماثيل والنقوش. وهذه الأثريات تُجمع وتُنقل إلى دار الآثار لفحصها، ثم تُنقل إلى العواصم الغربية، وهم يقدرون جيدًا هذه الثروات. ففي علاقة الفرنسيين بحجر رشيد مع بوشار:

“جلس على الأرض يتأمله وسط دهشة العمال الذين توقفوا عن العمل وأخذوا ينظرون إلى ما يفعله”، وفي أعينهم الكثير من التساؤلات عن هذا الحجر. بل حرص على وصوله سالمًا، ثم كانت النسخ لإرسالها إلى باريس للفحص والتدقيق والفهم. ثم كان صراع الكبار حول هذه الثروة التاريخية لهذا البلد، وعدم السماح للسفن الفرنسية بأخذ هذه الثروات، لكن بعد جدل وحوار وتشاور:

“وافق الإنجليز أخيرًا على أن يحتفظ الفرنسيون بمجموعاتهم الخاصة من حشرات وحيوانات، ولكنهم لا يقبلون أية مساومة بشأن الآثار والمخطوطات”.

لتتواصل رحلة البحث عن فك طلاسم الكتابات المصرية القديمة عن طريق شامبليون، والتلف الذي مس جزءًا هامًا من الحجر، ومن البردية التي اشتراها السير “بوتون” ولم يستطع الحفاظ عليها، إذ قال:

“هي بردية اشتريتها من مصر، وهي عزيزة جدًا علي، ولكن يبدو أنني أهملت في الاهتمام بها، وهذا جزائي، فقد فقدتها إلى الأبد”.

كما لامست الحياة العامة في المهن كالمؤدب والتجار والمزارعين والعلماء، وفي الألبسة مثل الحبرة، وأجزاء من المنازل مثل الحديقة والمشربية، والمساجد كمسجد زغلول بمدينة رشيد.

واستطاعت الكاتبة إدراج قصة كاملة في خضم سرقة حجر رشيد ومساره وتنقله بنسخه وفك طلاسم حروفه ومتنه، وهي علاقة رسام فرنسي عاشق لهذا الوطن الساحر، ومعه فاطمة الفتاة التي أحبها، وأنتظر زمنًا حتى فاز بحبها. وكان رحيله عن مصر قاسيًا ليعود ويتزوجها، وتمضي السنوات في هناء رغم الاختلافات العقائدية والأخلاقية والحضارية، لكن ينتصر الحب قافزًا على كل هذه الحواجز النفسية والثقافية.

كما تدخل الذاتي والموضوعي، فلن يتم زواج فاطمة بصاحبها إلا بعد خروج المستعمر الفرنسي، إذ قالت فاطمة:

“حتى نحتفل بزواجنا مع احتفالات البلاد بزوال تلك الغمة”.

ليواصل الطفل القارئ فك رموز العديد من الكلمات-المفاتيح مثل نابليون بونابرت وكليوبترا وبطليموس والخراطيش والحروف الهيروغليفية، وآخرها المرور على معركتين هامتين:

أولاهما معركة الجهل وكسب العلم والمعرفة بالأزهر الشريف لكل عربي يريد تعلم دينه والتفقه فيه ومعرفة بقية علوم عصره،

والمعركة الثانية المباحة أن الظلم والاستعمار توجب مقاومتهما حتى ولو كنت لا تنتمي لتلك الديار، كطالب الأزهر السوري الذي نفذ اغتيالًا ونال شرف الشهادة عندما أعدم بعد ذلك. إن نص “حجر رشيد” توالدت فيه الأفكار والأحداث بشكل متواتر محبوك سرديًا، مع لغة ثرية وسلسة معبرة عن أحداث النص. وأهم ما جاء فيه: السرقة الأثرية والحب وعشق الشرق الساحر، مذكرة بأهم كنوزنا الأثرية والتراثية الموجودة في متاحف الغرب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان