القميص دالاً في المجموعة الشعرية (غواية الساعات)
من غوايات القراءة لنصوص شعرية تصطف في متن منظوم تحت عنوان «مجموعة شعرية» هي تلك التي تختص باكتشاف الجذوة التي تتوقد منها أطياف النص، ويستمد منها توهجه الأسلوبي والدلالي، فالجذوة، أو كما يطلق عليها في المقاربات الأسلوبية مصطلح «المهيمنة»، نعني بها اكتشاف المهيمنة في النصوص الشعرية لأفانين التجربة، حيث نكون أمام ما يميز أسلوب الشاعر، ومن ثم أسلوب المجموعة.
«القميص» هو تلك الجذوة أو المهيمنة التي تتفرع عنها ومنها دلالات شجرة مجموعة «غواية الساعات»، وفي ضوء تحري أو تتبع انسيابية القميص وحركته اللوبِية المبعثرة أو الراكزة على معمار النصوص، يمكن أن نحل شيفرة التجربة، شيفرة تجربة النص، ومنها تستمد تجربة الشاعر، ومن خلالها تجربة التلقي.
القميص في المجموعة يتلون ويتشكل على جسد النصوص بتفاصيل مختلفة وهيئات متعددة «دوال»، تبعًا لاختلاف من يلبس ذلك القميص.
وإذ نعطف الدال الأول للقميص على ثريا النص أو عتبته، «الغواية»، فقد نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع القميص المقدود ليوسف الصديق، الذي رفض وتولى عن بشارة الغواية التي جاءت بها زليخة، معلنة عن دينها الأرضي وشرعتها الجسدانية، والتي يحكم تجارب الجسد في انفعالات الروح وحساسيتها، ويدعو لتسمر الساعات وتوقفها عند زمن الشبق الممزوج بشهوة الخلق للأشياء. لقد ظل قميص يوسف المقدود هو ذلك الثقب أو الكوة أو الفكرة المعارضة التي أوجدتها زليخة في قميص السماء؟ ولكم يتمنى الشاعر لو أن زليخة قد قلدته القميص المقدود لتصنع منه نبيًا متوجًا للغواية الناصعة المبرئة من أدران التاريخ والأيديولوجيا؟ هذا ما نقرؤه في قصيدة «محكمة أصابعي»:
من يأخذني إليها الآن
من يشد ياقة قميصي البالية
يخلعها عن الجرح الذي في رقبة الفكرة
من يسلم لي مفتاح الأرض البكر
أقيم عليها مع ذكريات خاملة
تتماهى تجربة النص مع رمز زليخة بما تمثله من دالين نقيضين، الأول ما تمثله من خيبة واندحار وفشل ونكوص في تحقيق ما تصبو إليه، إذ وُصمت بالعار ورفضت وطُردت خارج بوصلة تاريخ الطهر والعفاف والنقاء، وبما تمثله من ثورة ورفض واعتدادها بذاتها وخياراتها في الحب والحياة، والشاعر يعلن أن إيمانه بشرعة القمصان المقدودة للخلاص من التاريخ «الساعات»، وإعلان التورط الدائم بالغواية/ غواية الأفكار الثائرة على النمطي والسائد والمستكين/ غواية الأجساد النافرة صوب الشبع والامتلاء، ومن ثم الاحتراق والزوال، ويؤكد النص تلك العلاقة التي ذُكرت بين دلالة القميص بوصفه سورًا ودرعًا وأمنًا للجسد وحصنًا للقابع والساكن، وبين الأرض، جاذبية وملاذًا ومكانًا للاحتواء «من يسلم لي مفتاح الأرض البكر»، فالدال الذي يبدأ من شق القميص لا ينتهي بأبعد ما يحتويه الجسد من الرغبة في التجذر والانزراع بالأرض بواسطة «الشبق»، فمن خلال هذا التوغل والانزراع تتكشف الدوال وتشف المعاني، أو قد تزداد غموضًا، وربما تتماهى مع العبث واللامعقول حينما تبتعد عن السماء؟ الدعوة الإيروسية تتكشف في النص بالآتي: من يقيم بغرفتي..
قداسًا للناجين من معارك الأسرة من يشهد أمام محكمة أصابعي…
أني أكثر من يجيد الشتم والملامسة
…………………………..
……………………….
من يطلق حملة
لاصطياد المفردات الحمر
وإقامة حفل شواء على ناصية الليل
………………………..
من يشمر عن ساعده
ليبني لي قصورًا إيروسية
تغازل حقل رمان حبيبتي؟
يستمد النص شعريته من مفارقات لا تخلو من سخرية، يؤطرها تكرار «من» للدعوة إلى شرعة القمصان المقدودة، لتأكيد دلالة الجسد الذي يختزل في منتصفه، حيث تتموقع الأرض مثمرة لذة وفرحًا وامتلاءً وشبابًا يتجدد. تتركز المفارقة بتلك المماحكات الأسلوبية مع مفردات دينية، كقوله: «قداسًا بغرفتي/ للناجين من معارك الأسرة»، فالقداس يغادر داله الديني/ الزمني والروحي ليستوطن في الغرف/ الأسرة، وبذلك يكون دالًا دنيويًا/ مكانيًا، ونجد أن اللعب بالمفردة الدينية ونقل دلالاتها إلى حقول أخرى بعيدة عنها وإلباسها زيًا غريبًا عنها، أسلوب ملموس في العديد من القصائد، والتي سيذكر من أمثلتها لاحقًا. إهداء المجموعة كان جزءًا من خلخلة ثبوتية المفردة الدينية وتحريكها نحو فضاءات أخرى، فالشاعر يقول في إهدائه: «إلى كل من يعطر فمه بالصلاة على العراق وآل العراق»، إن نقل مفردة الصلاة من الدلالة الدينية إلى الدنيوية الوطنية يعد ملمحًا أسلوبيًا يحمل من الاختلاف بقدر ما يحمل من صدمة للتلقي الساكن والسائد. بالمثل، فإن المحكمة، دال الحكمة والعدل والمنطق، تتحرك عن موقعها لتكون محكمة للأصابع التي تجيد الشتائم والملامسة، ونلاحظ أن مفردة الأصابع قد تكررت في أكثر من قصيدة، لأنها الجزء الرقيق من الجسد المنفتح على الآخر، والذي يمثل أول بوادر لذة المعرفة والاكتشاف، وتتيح لعبة الدوال في النص الإدغام بين الهموم الفلسفية والوجودية المنفتحة في الإدراك والزمن، وبين الهموم السياسية الآنية للشعب العراقي، وهذا ما أتاح للنص الجمع بين الشتم والملامسة، وإذ كانت لغة الشعر تتأسس مماحكة مع المحمولات الدينية والمنطقية، فإن المماحكة الأهم تكون مع اللغة ذاتها، فالشعر عملية متجددة لاستيلاد اللغة وإنجاب لغة أخرى، فاللغة المستخدمة قد لا تسعف الشاعر وهو يبحث عن مدينة مشيدة بالغواية، ويبتغي ابتداع المزيد من المفردات الحمر.
بموازاة قصيدة «محكمة أصابعي»، والتي شكلت تناصًا مع لغة التحريض «الدعائي»، والتي يلمس فيها ما للملصق أو الشعار من دعوة صارخة للثورة والاحتجاج، فإن قصائد أخرى كانت أكثر التصاقًا مع لغة الشعر المفعمة بالغموض واللذة الحسية، في قصيدة «مسطولا» نقرأ:
مسطولا
يباعد بين ضفاف أنهاره
ويخلع قميص الجرف الذي أنجبه
أملًا في مضاجعة اليابسة
وحين يعجز عن مغادرة رطوبته
يضم ساقي الرماد
ويصيح في مدينته تذمري
في قصيدة «مسطولا» تستعاد تجربة لغة الشعر مرة أخرى، وكأن اللغة في انكتابها وتحققها هي تعبير عن علاقة عشق إيروسية، لأنها تكتب الجسد بأشواقه ورغباته.
يمازج النص بين رموز الطبيعة «الضفاف، النهر، الجرف، اليابسة، الرماد»، وبين رموز الإيروس «يباعد، يخلع، مضاجعة، يضم ساقي». ما يميز النص الماثل هو بناؤه على تجربة استيهامية تستند على تبادل المدركات والانفعال بين الفعل الجسدي الإيروتيكي العنيف وحركة الطبيعة العفوية المنسابة، ويوحد الحركتين مع رغبة الذات في التحرر والخلاص، وتأتي مفردة «مسطولا»، وهي عنوان القصيدة، لتعبر عن دمج التجربة الشعرية بالعبث والهذيان. فهنا أمام ثلاث دوائر دلالية تدور في فلك الإيروتك، أولها دائرة حركة النهر مع الجرف واليابسة، التي تشبه إلى حد التماهي حركة الانفعال الجسدي بحثًا عن لذة راقدة مقموعة، ويدمجها بالغواية الشعرية وباللغة الحسية «التي تعج بحطب الأبجديات، وسرير القافية، شسع نعل المجازات» التي تقرب بين المتنافرات وتخصب الجسد بماء الوجود. ويأتي فعل «خلع القميص» وتعرية الجسد وانكشاف تفاصيله بوصفه الشرارة المحرضة على استيهام التجربة.
في قصائد أخرى «ابنة الماء والشرر، هدف في مرمى الجلنار، أنثى تخثر دمي على شفاهها، أسئلة خضر لزهرة سوداء»، يتكرر رمز النهر/ الماء/ المطر/ الرطوبة/ اللزوجة تعبيرًا عن الإيروس:
بماذا أتوضأ
أيتها الماء المتدفق مني
إذا لم أجدك إناء
كيف أسددني نظرة..
إذا ما عيوني الناعسات
تسرب منهما آخر الوميض
ولم يغمزا ذراعي
المسورتين خواصرك
بعبارة «أيتها الماء المتدفق مني» نعرف أن رمز الماء يشير إلى طاقة الفحولة ودورها في اخضرار الجسد وسريان الحياة في عروقه وإمداده بالقوة والتحدي والبقاء. فأسطورة البقاء تنحدر من الماء الذي ينبع من الفحولة لينشر الحياة والوجود، وقد نثرت رموز الفحولة على جسد النصوص، موصوفة بالقوة، من مثل «المنجل، الألف الشامخ، استقامة النهر، أعمدة الفضاء، الأحلام الواقفة، أهز نخلتي جذلًا، الألف المجنون»، انغماسًا حد الافتتان والهذيان بتأصيل الفحولة والإشادة بقوتها، وكأن الوجود قد غادر تراتيبيته الزمنية واستحال إلى لحظات اندفاع أنهار اللذة من مكنون طاقتها، وتأتي إيماءات الجسد، حركاته وسكناته «النظرة، عيوني الناعسات، الوميض، الغمز، المسورتين خواصرك» في وثوب وانشداد نحو ذلك الفعل الأزلي الملموس الذي تعرف الحياة به وتجهل كل ما وراءه.
وكما ذكرنا، فإن الاعتقاد بقيم الجسد وطاقة الإيروس يتطلب إقصاء تجارب الروح والاعتراف فقط بما هو معيش وملموس، وإذا أضيف إلى ذلك تمجيد الفحولة والإعلاء من شأنها، والذي يحيل المتلقي إلى أيديولوجيا جنسانية أحادية تقصي الآخر المختلف «الأنثى» وتقلل من دوره في بث الحياة وإنضاجها، واقتصار مهمته في التهيئة والإعداد لأجواء الغواية. إذا جمعت الدلالتان، إقصاء تجارب الروح وإقصاء الآخر عن الفعل والتأثير، فهنا تعود التجربة الشعرية للدائرة التي رغبت بأن تثور عليها وتهدد مسلماتها، فتكون شعرية النصوص رهينة لأيديولوجيا من نوع آخر، تجترح أحادية الرؤية وانحسار الآفاق، وإذا كانت الشعرية فعل بحث وتنقيب عن غير السائد والمألوف، ومحاولة إخصاب تجارب الأنا بتجارب الآخر المختلف، وثورة في اللغة وإليها، فإن نصوص «غواية الساعات» شكلت بما يمكن أن نصطلح عليه بأنه شعرية ضد الشعرية.
مما يعطي مصداقًا لهذا الرأي هو أن المجموعة الشعرية قد أتخمت بأسماء الفحول الذين وُجّهت لهم القصائد على شكل إهداءات ومخاطبات، عشرات الأسماء لشخصيات أدبية وثقافية وأخرى لا يعرفها المتلقي، وهي تخص الشاعر وحده، والذي سلك في مجموعته طريقين مختلفين: طرحه موضوعة قميص زليخة رمزًا للغواية والحرية والرفض، ومن جهة جعل من مجموعته كرنفالًا للاحتفاء بالفحولة. مثال ذلك قصيدة «غواية الساعات»، والتي هي عتبة المجموعة، قد أُهديت للشاعر ريسان الخزعلي:
{يا أيها الذي تغويك الساعات اللزجة
اجعل حفيف يدك
يصلح شسع نعل المجازات
دون أن تترجل عن الأسئلة}
الخطاب المباشر للشخصية المهدى إليه النص يجعل من المتلقي خارجا عن نطاق المواجهة والاهتمام، فالمعني بالخطاب هو الشخص الموجه إليه النص، وهذا يعد جزءا من أحادية في الرؤية وتضخم الأنا في المجموعة، وتعد ظاهرة الإهداءات في المجاميع الشعرية الصادرة حديثا ظاهرة ملفتة للاهتمام، ولا شك أنها علامة محفزة لتأويل النصوص في ضوء ما تبثه هذه العلامة.
من هذا المنطلق، من الممكن العود إلى دلالة القد أو التمزيق بوصفهما جزءا من دائرة هشاشة اليقين وضياع الفكر الراسخ، فما نؤمن به ونعتقده ونرغب به نعود لنقضه مرة أخرى في رغبة جامحة للقد وللتمزيق وإعادة القراءة.
في قصيدة {أنثى تخثر دمي على شفاهها} تتكرر رموز الماء والمطر ممزوجة بشهقات الغواية واحتضارها:
{حين تتساقط خصل الحرير
وتتهدل على أطراف وجهي
أصير..
ملفوحا بنسمة خليج دافق
تلك الراعدة
لا ينادمني سوى صهيلها
حين أصير غيمة تصطدم بقيامتها
وتنتج مطرا تمتصه اللهفة}.
في النص الماثل والسابق نلحظ عود الضمائر كافة إلى ذات الشاعر {الفحل} المتلبس بقواه الجسدية الأزلية المقتدرة والصاخبة، ويبقى دور الآخر ثانويا مقتصرا على المراودة، ويستمد النص شعريته المتفردة من ذلك التلاقح المكثف بين طاقة الإيروس وطاقة اللغة، وكأن إحداهما تستمد من الأخرى تركيزها واحتدامها، وتعد تجربة مجموعة {غواية الساعات} من تجارب الأدب المكشوف المهمة التي استحالت فيها اللغة إلى طاقة شبقية خالصة منسوجة بخيوط الغواية، الغواية بوجهها العنيف والصاخب كالذي نقرأ {التساقط، التهطل، الصهيل، الرعد، الامتصاص، التصادم}، والغواية بجانبها الهامس الرقيق {خصل الحرير، اللفح، نسمة الخليج الدافق، اللهفة}، وبين حركتي الهدوء تارة والصخب تارة، مع استخدام الأفعال الآنية التي ترهن الزمن إلى لحظات الغواية المستدامة.
ومثلما امتازت بعض نصوص المجموعة بالإسهاب والشرح في تناول العلاقة الجسدية بين الشاعر ومعشوقاته، سواء كانت هذه العلاقات حقيقية أو متخيلة، نحت نصوص أخرى باتجاه الومضة الشعرية المكتنزة بإيحاءاتها الحسية كما في:
{في الداخل طيفك
وعلى زاوية الباب قميصين
قدهما الشوق
حتى تمزق اللذان كانا بداخلهما}
في الومضة لغة أخرى تختلف عن تلك التي تلمس في النصوص المطولة للمجموعة، لغة تقوم على الاختزال والتكثيف والإيحاء بديلا عن التفصيل، لغة تستخدم القميص بوصفه ستار الجسد وحصنه لتحقق تواشجا بين المرئي {على زاوية الباب قميصين/قدهما الشوق} وبين الاستيهام الإيروتيكي {حتى تمزق اللذان كانا بداخلهما}، وقد التئم هذا اللقاء بين المرئي والمتخيل بواسطة المفارقة اللغوية التي ترشح ما في اللغة من قوانين تقابل وضدية ومراوغة {في الداخل/على زاوية الباب، قميصين/بداخلهما، قدّهما الشوق/تمزق اللذان كانا}.
الموسيقى في المقطوعة مستمدة أيضا من اللغة وقوانينها الضدية أو التوافقية بحسب التجربة التي تطرحها القصيدة، فليس هنالك من موسيقى تعلق في الآذان مباشرة من خلال استخدام تقنيات بعينها، وإنما هي موسيقى تختبر وتأول بعد تأمل النصوص وإعادة قراءتها، فتكون الموسيقى مترشحة عن الدلالة وناتجا من نواتجها، في قصيدة {تلعق سرة الوقت} تترشح الموسيقى عن الاحتدام الدرامي لوصف التجربة الجسدية:
{هذه هي
ما زالت تفتح لي أبواب الرخام
وتصرخ
لا وقت للتوبة والنصائح
ثم تمضي
ناسية نهديها على الجدار
الريح تمضي
تسرق الرسائل الفتية
وطعم الضفاف}
يمتاز النص ببنائه الدرامي المتوثب بالحركة والقول والانفعال الذي يؤطره الأفعال الضاجة باللوعة والألم والمواجهة {تفتح، تصرخ، تمضي، تسرق}، مع حركة صاخبة تمزج بين الحس والعاطفة والخيالي والملموس {نهديها على الجدار، الريح تمضي، تسرق الرسائل، طعم الضفاف} للوصول إلى حقيقة الانصهار والجنون، ويؤكد هذا المقطع أن موسيقى قصيدة النثر قادرة على التجديد والتحدي بغض النظر عن تقديم معطى ملموس سلفا، فالمقطوعة الماثلة من الممكن رؤيتها بعين المشهد الدرامي المحتدم تارة، وباللوحة التشكيلية تارة أخرى، لأنها قد سارت بخطوط متوازية من الأنسنة إلى التجريد، ومن التجريد إلى الأنسنة، مع تأكيدها على التموقع المكاني {الباب، الجدار} والذي يشكل خلفية للوحة التشكيلية، بالإضافة إلى الفضاء الشاسع الممتد للغة النص والذي من الممكن أن يكون فضاء للوحة.
وإذ نخرج من قميص يوسف المقدود والذي ما انفك بدلالته على شرعة الغواية ومريديها قميصا لزليخة إلى القمصان الأخرى، منها قمصان الساسة والتي يصفها الشاعر بأنها:
{نيسان
ربيع أجلته النوافذ
لحين مغادرة الدخان
والقمصان الآيلة للامتلاء}
هكذا هي قمصان الساسة الممتلئة شبعا وغرورا واستعلاء، بعكس الفقراء الذين يوصفون:
{يطارد البائسون أغلالهم
ويتلبسون البكائيات
ووحدها الشهوات والأرصدة
تخلق السياسيين والحروب}.
مثلما يطارد الشاعر قميص زليخة حبا ووجدا وتماهيا، طارد بالاتجاه الآخر قمصان السياسيين نقدا ورفضا وتهكما معلنا، فالرموز والإيحاءات اللغوية لا تجدي مع الساسة وأخطائهم، والذي يرفع ركام الأسى والظلم عن الفقراء والمستضعفين ليس سوى الخطاب المباشر واللغة الفاقعة المباشرة القطعية الدلالية.
ثمة قميص آخر للصمت في قوله:
{إذا العراق
تفتقت دمامله
تركل القيح باتجاه الشرق
إذا الأحمر
انتفض على ذاكرته
وشق قميص الصمت}









