فنون

في المجموعة الشعرية “هنا يرقد قلبي”

الذات حين تكتب عشقها وجراحها المستعرة عدنان الفضلي

تعد الشاعرة ورود أحمد الدليمي احد الأصوات الشعرية التي بدأت تأخذ مكانها في الحيّز الشعري العراقي، حيث أنها من الشاعرات اللواتي يكتبن في الألوان الشعرية جميعاً ومن ضمنها الشعر العمودي الذي أنا بصدد تناول بعض القصائد التي أنتجتها ذائقة الشاعرة.

ليست الكتابة عن مجموعة شعرية محاولةً لاستخراج المعاني من أبياتها فحسب، بل هي سعي إلى اكتشاف العالم الذي يتشكل خلف اللغة، ورصد الخيوط الخفية التي تربط تجارب الشاعر بعضها ببعض. وفي مجموعة (هنا يرقد قلبي) للشاعرة ورود أحمد الدليمي، تتيح الأبيات المتاحة لنا هنا الاقتراب من صوت شعري تتجاور فيه العاطفة مع الألم، ويتداخل فيه الحنين الشخصي مع الانتماء الوطني، وتتحول فيه الذات من عاشقة تبحث عن مأوى إلى امرأة تواجه جراحها، ثم إلى صوت يرى في وطنها ومدينتها بغداد امتدادًا لنبضه وذاكرته.

منذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام مفارقة تستحق التأمل. فالقلب، بما يحمله من دلالات الحياة والحركة والاضطراب، يبدو في حالة رقاد. لكن هذا الرقاد لا يعني بالضرورة انطفاء الشعور؛ فقد يكون استراحةً من التعب، أو محاولةً لإيداع التجارب في مكان آمن، أو إشارةً إلى ما تركته الحياة من ندوب في الذات. وهكذا يغدو العنوان عتبةً تأويلية تسمح بقراءة القصائد بوصفها محاولات لفهم القلب، لا مجرد تسجيل لانفعالاته.

في قصيدة (أنا هذي) تقول الشاعرة:

“ولأي ذكر فيك قلبي يخشع

ولأي باب دون بابك يخشع

وهواك يعصرني بكل جنونه

وإلى مداك أضلعي تتطلع”

يظهر الحب هنا بوصفه قوةً تستولي على الذات، فتنتقل العاطفة من الميل إلى الخشوع، ومن الإحساس الداخلي إلى التأثير الجسدي. وتكرار الفعل “يخشع” يمنح البيتين نبرة مناجاة، ويضفي على المحبوب مكانةً تتجاوز الحضور العادي إلى مرتبة التعلّق العميق.

غير أن الخشوع في هذا السياق لا يلغي الاضطراب؛ فالشاعرة تنتقل مباشرةً إلى صورة الحب الذي “يعصر” الذات، وبين الخشوع والعصر تتشكل مفارقة وجدانية: القلب يستسلم، لكنه يتألم؛ والذات تمنح الحب مكانةً عليا، لكنها تدفع ثمن هذا التعلق من راحتها الداخلية.

وتستوقفنا عبارة “أضلعي تتطلع”، إذ تمنح الشاعرة الجسد قدرةً على التطلع، فلا تظل الرغبة محصورة في العين أو القلب، بل تصبح كأنها تسكن الكيان كله. وهي صورة تستهدف التعبير عن استغراق الذات في التجربة، وإن كانت تحتاج إلى سياق القصيدة كاملًا للحكم على مدى اندماجها في بنائها الفني.

ويتخذ الحب في قصيدة (محراب الهوى) صورةً مختلفة، حين تقول:

“ألقاك ما بين الكواكب ومضة

تأتي إلي ويعجز التعبير

وأنا الصغيرة لم أزل أحبو خطى

لكن بأشواقي إليك أطير

لك كل كلي فاسترح في موطني

لك فيه ما بين الشغاف سرير”

إذا كان الحب في “أنا هذي” حالةً من الخشوع والضغط الداخلي، فإنه هنا يصبح حركةً بين الأرض والفضاء، وبين محدودية الجسد واتساع الخيال. وتبدو المقابلة بين “أحبو” و”أطير” مركز الصورة الشعرية؛ فالذات تعترف بصغرها وبطء حركتها، لكنها تمنح أشواقها قدرةً على تجاوز المسافات.

هذه المقابلة تمنح الانفعال شكلًا محسوسًا، وتكشف عن رغبة في التحرر من حدود الواقع عبر الخيال. ومع ذلك، فإن الحبو والطيران صورتان شائعتان في الشعر الوجداني، وتظل خصوصيتهما مرتبطة بقدرتهما على اكتساب معنى جديد من سياق القصيدة.

أما قولها “لك كل كلي فاسترح في موطني”، فيكشف تحولًا مهمًا في علاقة الذات بالمحبوب. فالشاعرة لا تكتفي بالتطلع إليه، بل تعرض نفسها مكانًا لراحته. وهنا تتحول الذات من عاشقة تطلب الوصول إلى الآخر إلى موطن يمنحه السكينة.

إن مفردة «موطني» تفتح بابًا دلاليًا يتجاوز العلاقة العاطفية المباشرة؛ فالموطن ليس مكانًا جغرافيًا فحسب، بل فضاء للانتماء والأمان. وهذه الدلالة ستكتسب أهمية إضافية عندما ننتقل إلى قصيدة بغداد، حيث يصبح المكان نفسه موضوعًا للحب والوفاء.

في قصيدة “أنثى الصبر” يتغير إيقاع التجربة، وتخرج الذات من فضاء العشق إلى فضاء المواجهة:

“أوقدت صدري حين ضاق تمردي

فانداح جمر الروح فوق تجلدي

وسقيت جرحي من دمي فتكسرت

في اللحم أسئلة الطريق المبعد

ناديت يا رب الجهات أما ترى

زمنًا يجور بحقنا المستبعد”

هنا تتراجع صورة الحب بوصفه احتواءً، لتحل محلها صورة الذات التي تحاول مواجهة الألم، لكنها تكتشف أن التمرد نفسه قد يتحول إلى احتراق داخلي.

تبدأ الشاعرة بالفعل “أوقدت”، فتجعل الصدر موضعًا للاشتعال. ثم تنتقل إلى “جمر الروح”، وهي صورة تستدعي نارًا تحتفظ بحرارتها حتى بعد انطفاء اللهب الظاهر. وفي مقابل هذا الاحتراق يأتي “تجلدي”، بما يحمله من دلالة على الصبر وضبط النفس.

بهذا التوتر بين الجمر والتجلد تتشكل صورة امرأة لا تستسلم للألم تمامًا، ولا تنجو منه تمامًا؛ إنها تقاومه، لكن المقاومة تترك أثرها في أعماقها.

وتزداد الصورة كثافةً في قولها “وسقيت جرحي من دمي”. فالجرح، الذي يُفترض أن يكون موضع الألم، يتحول إلى كائن يحتاج إلى السقيا، بينما يصبح الدم مادةً تمنحه البقاء. وفي هذه المفارقة إشارة إلى الاستنزاف، وإلى تجربة يبدو فيها الألم مستمرًاً لأنه يتغذى من طاقة صاحبه.

ثم تنتقل الشاعرة من الجسد إلى السؤال، فتقول إن أسئلة الطريق تتكسر في اللحم. وهنا لا يعود الوجع جسديًا وحده، بل يصبح وجعًا معرفيًا أيضًا: ألم البحث عن الطريق، وعدم القدرة على فهم أسباب الإبعاد أو الوصول إلى غاية واضحة.

ويبلغ المقطع تحولًا دلاليًا مهمًا في عبارة “بحقنا المستبعد”. فبعد ضمير المتكلم المفرد في “صدري” و”جرحي”، يظهر ضمير الجماعة في “حقنا”. وبذلك تتجاوز التجربة حدود الذات الفردية لتلامس إحساسًا بظلم أوسع، قد يكون اجتماعيًا أو إنسانيًا، وإن كان تحديده بدقة يحتاج إلى قراءة القصيدة كاملة.

إن عنوان “أنثى الصبر” يثير بدوره سؤالًا حول صورة المرأة في هذا الخطاب: هل الصبر قدرٌ مفروض عليها، أم أنه يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة؟ تميل الأبيات إلى الاحتمال الثاني؛ فالمتكلمة لا تكتفي بالتحمل، بل تتمرد وتسائل الزمن وتنادي قوةً تتجاوز الواقع.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين قوة الانفعال وقوة الصياغة. فالنار والدم والجمر والجرح مفردات ذات تاريخ طويل في الشعر، وتحتاج إلى علاقات تصويرية متجددة كي تتجاوز مألوفيتها. وتكمن أهمية المقطع في انتظام هذه المفردات داخل تجربة واحدة من الاحتراق والاستنزاف والاحتجاج.

في قصيدة (إليك أغني يا بغداد) تتسع دائرة الشعور، وينتقل الخطاب من الذات إلى المدينة:

“يا ليل بغداد كم ناغيت فيك منى

وكم سهرنا معًا والنجم ما أفلا

ماذا سأهديك يا نبضًا أعيش به

أهديك روحي وإلا يا مناي فلا

تبقين فينا وإن جار الزمان بنا

عزمًا نعيش به لا يعرف الكللا”

تستعيد الشاعرة في مطلع المقطع الليل بوصفه زمنًا للبوح والذاكرة. فليل بغداد ليس خلفيةً محايدة، بل رفيق شهد الأمنيات والسهر، ويشارك الذات لحظات من حياتها الداخلية.

ويمنح فعل “ناغيت” المشهد نبرةً حميمة، إذ يستدعي المناجاة والحديث الخافت. أما النجم الذي لم يأفل، فيوحي بامتداد السهر واستمرار اللحظة الوجدانية، وإن كانت عناصر الليل والنجوم والأمنيات من الصور المألوفة في الشعر العربي، وهو ما يجعل خصوصية التجربة مرهونةً بما تضيفه القصيدة إليها من دلالات محلية وإنسانية.

ثم يأتي السؤال: “ماذا سأهديك؟”. وهو انتقال من التذكر إلى العطاء، ومن تلقي أثر المكان إلى الرغبة في رد الجميل. وتكمن قوة عبارة “يا نبضًا أعيش به” في أنها تجعل بغداد جزءًا من تكوين الذات، لا مجرد مكان تقيم فيه. فالمدينة هنا تتحول إلى شرط من شروط الإحساس بالحياة.

وعندما تقول الشاعرة “أهديك روحي”، فإنها تستعين بمعجم التضحية والوفاء لتؤكد عمق العلاقة. وعلى الرغم من مألوفية هذه المبالغة في خطاب الحب، فإن توجيهها إلى بغداد يجعل العاطفة الشخصية تلتقي بالعاطفة الوطنية.

ويكتمل التحول في البيتين الأخيرين، حين تقول: “تبقين فينا وإن جار الزمان بنا”. هنا تتجاوز القصيدة استعادة الماضي إلى تأكيد الاستمرار، وتنتقل من ضمير الفرد إلى الجماعة. فبغداد ليست ذاكرةً شخصيةً فحسب، بل مصدر عزم مشترك، وموضعًا تتجدد فيه القدرة على مواجهة الظروف.

ومن اللافت أن المدينة، في هذا المقطع، تشغل موقعًا يقابل موقع المحبوب في “محراب الهوى”. ففي القصيدة العاطفية تعرض الشاعرة ذاتها موطنًا للآخر، بينما تصبح بغداد هنا موطنًا معنويًا يسكن الذات ويمنحها النبض. وهذه المقابلة تفتح أفقًا لقراءة مفهوم الانتماء في المجموعة: فالإنسان يبحث عن الأمان في الحب، ويبحث عن امتداد وجوده في المكان.

تكشف المجموعة ومن خلال هذه الاختيارات التي جعلتها عينات مهمة في المجموعة، عن تنوع في الموضوعات، لكنها تشير أيضًا إلى خيط شعوري يصل بينها. ففي (أنا هذي) يتجسد الحب في الخشوع والاضطراب، وفي (محراب الهوى) يصبح طيرانًا واحتواءً، وفي (أنثى الصبر) يتحول الألم إلى تمرد وسؤال، أما في (إليك أغني يا بغداد) فيتسع الوجدان ليصبح خطابًا عن المدينة والذاكرة والصمود.

يمكن النظر إلى هذه التحولات بوصفها انتقالات في علاقة الذات بما يحيط بها. فهي في القصيدتين العاطفيتين تبحث عن الآخر وتمنحه مكانًا داخلها؛ وفي (أنثى الصبر) تواجه واقعًا يجرحها ويثير أسئلتها؛ وفي قصيدة بغداد تعيد اكتشاف رابطة تتجاوز الفرد إلى الجماعة.

والقاسم المشترك بين هذه الاتجاهات هو ميل الشاعرة إلى التعبير عن المعاني النفسية من خلال صور جسدية ومادية. فالحب يعصر، والروح تتقد، والجرح يُسقى بالدم، والأسئلة تتكسر في اللحم، وبغداد تصبح نبضًا. وبهذه الطريقة تخرج المشاعر من تجريدها لتكتسب هيئةً محسوسة.

غير أن هذه السمة تضع التجربة أمام تحدٍّ فني واضح: كيف يمكن للصورة أن تظل حيةً ومفاجئةً، وألا تتحول إلى تكرار لمفردات وجدانية مألوفة؟ إن صدق الشعور عنصر مهم في الشعر، لكنه لا يكفي وحده؛ فالقيمة الفنية تتحدد أيضًا بخصوصية الصورة، ودقة اللغة، وقدرة القصيدة على تحويل التجربة إلى بناء لا يمكن استبداله بتعبير آخر من دون أن يفقد شيئًا من هويته.

ومن هنا، فإن المقاطع المتاحة تسمح لنا برصد ملامح صوت شعري يميل إلى حرارة البوح وكثافة الانفعال، لكنه يحتاج، في بعض صوره، إلى مزيد من المفاجأة التصويرية والاقتصاد اللغوي كي يبلغ أقصى طاقته التعبيرية. وهذا حكم أولي يخص هذه الشواهد، ولا ينبغي تعميمه على المجموعة كاملة قبل قراءة قصائدها في سياقاتها الأصلية.

بعد هذه المقاطع، يعود عنوان (هنا يرقد قلبي) ليكتسب دلالات أوسع. فالقلب الذي بدا في العنوان ساكنًا، نراه في القصائد يتحرك بين التعلق والاحتراق والاحتجاج والانتماء. إنه قلب لا يكف عن العمل، حتى حين يعلن تعبه.

وقد يكون الرقاد هنا أقرب إلى الاستعارة عن ذاكرة تختزن تجاربها، أو عن ذات تحاول أن تمنح مشاعرها مكانًا تستقر فيه. فالحب يترك أثره، والألم يثير الأسئلة، والوطن يمنح الحياة معناها الجماعي. وتبدو هذه التجارب، على اختلافها، كأنها تترك رواسبها في القلب، بحيث يصبح موضعًا تتجمع فيه شظايا الحياة.

لكن لا ينبغي افتراض أن كل قصائد المجموعة تنطلق من هذا المعنى؛ فالعنوان يتيح هذا التأويل، والمقاطع تدعمه جزئيًا، أما تأكيده بوصفه البنية العميقة للديوان فيحتاج إلى فحص أوسع لبقية النصوص.

وفي الختام يتوجب القول أن المجموعة تمنحنا المقاطع المتاحة صورةً أولية عن تجربة شعرية تتجاور فيها الذات العاشقة والذات المتألمة والذات المنتمية إلى المكان. وهي تجربة تحاول التعبير عن المشاعر عبر صور حسية، وتنتقل من ضيق التجربة الفردية إلى أفق أوسع من الاحتجاج والوفاء.

وتتمثل إحدى نقاط قوتها في حرارة الانفعال، وفي قدرتها على وصل التجربة الجسدية بالمعنى النفسي، كما يظهر في صور الجمر والدم والجرح والنبض. أما التحدي الفني الأبرز، فيكمن في ضرورة تجديد بعض الصور والمفردات المألوفة، ومنحها خصوصيةً تجعلها أكثر التصاقًا بصوت الشاعرة وتجربتها.

إن ورود الدليمي، في هذه الشواهد، لا تكتب الحب وحده، ولا تجعل الألم غايتها الوحيدة؛ إنها تكتب ذاتًا تتشكل عبر علاقاتها بالآخر وبالعالم. وحين تنتقل من محراب الهوى إلى جرح التمرد، ثم إلى بغداد، فإنها توسع دائرة القلب ليصبح مساحةً يلتقي فيها الشخصي بالجمعي، والحميمي بالوطني.

ولعل السؤال الذي يتركه عنوان المجموعة مفتوحًا هو: هل يرقد القلب لأنه تعب من حمل هذه التجارب، أم لأنه يحتفظ بها في أعماقه حتى يحين وقت استعادتها في الشعر؟

في الحالتين، لا يبدو الرقاد نقيضًا للحياة، بل صورةً من صورها الخفية؛ فالقلب الذي يختزن الحب والوجع والذاكرة لا يصمت تمامًا، وإنما يواصل الكلام بطريقته الخاصة، تاركًا للشعر مهمة الإصغاء إليه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان