عبد الأمير المجر
عرفت برهان المفتي في تسعينيات القرن الماضي، رساما كاريكاتيريا في جريدة (الجمهورية)، وقد استمر يرسم تحت عنوان (وخزة) الى اليوم، واتابع رسوماته من خلال صفحته على (فيسبوك) بشكل مستمر.
المفتي يكتب القصة القصيرة، ولم أكن قد اطلعت على نتاج قصصي له من قبل، لكني ايقنت من قدرته على قراءة النص القصصي وسبر اغواره من خلال تعليقاته على قصصي المنشورة او غيرها، وايقنت ان وراء هذه التلمسات الدقيقة كاتب مبدع، بل وخبير في قراءة القصة، الاّ اني لم اكن اعرف ان لديه هذه القدرة على كتابة النص القصصي، الاّ بعد ان قرأت مجموعته القصصية (كذلك) التي أصدرها في العام 2019 وقراتها مؤخرا، فتمنيت لو اني قرأتها في حينه، فهي تماما (وخزات) أدبية عذبة!
القصص بمضامينها المباشرة فنتازية (كاريكاتيرية) وتوصل فكرتها للقارئ بلغة شعرية تنفتح على تأويلات واسعة، فالقاص يرسم الكاريكاتير، ما يعني انه يمارس الشعر ويعبر عنه بإسلوبه الخاص، ولعله في هذه القصص القصار حجما والكبيرة بالمعاني، يقدم لنا طبقا من النثر المثقل بالشعر والتأويل ويرسم لنا صورة مؤلمة وموجعة لواقعنا.
مدينة ارضها من زجاج وسكانها يسيرون بأقدام مليئة بالمسامير! وأب يمتلك هلالا نحاسيا مدببا يضعه في فترة معينة على سطح الدار ويثبته مقابل الشمس ليعلن عن مواقيت السنين الجديدة!! وفيضان عارم يقتحم بيوت المدينة وحين يجرف اسرارها يجد بطل القصة ان السيول جلبت سجل الموتى في المدينة ويجد فيها اسمه وتاريخ وفاته!! والدقائق تتأخر عن موعد التحاقها بالساعة الموجودة في وسط المدينة ثم تتجزأ وتضيع وتترك الناس في حيرة!! ومعلم الرسم يوزع على طلابه لوحات فنية ثم يطلب منهم اعادتها بيضاء فارغة من رسومها بعد استخلاص الألوان منها !! ونساء يعرضن بطونهن الحوامل ليأتي الرجال ليضربوا عليها ويختاروا البطن الذي يريدون منه ابنا وفي موعد محدد!! ومباراة لكرة القدم غريبة عجيبة، انها من فريق واحد ويتلقى الكرات من الجمهور!! ومحرقة كبيرة في المدينة اسمها (محرقة الأخطاء) يسيل منها الحبر الأسود الذي تطبع منه الكتب!!
وغيرها من القصص التي تشدك لقراءتها لما فيها من عذوبة وغرائبية تجعلك تتساءل، كيف ستنتهي هذه القصة؟، لتجد نفسك فيما بعد امام دهشة وفضاء من التأويل الذي ينتهي بك الى واقع حياتي مأزوم رصده القاص بطريقة فنية جميلة ومعبرة.
فن الكاريكاتير هو شكل من اشكال الشعر، ولايجيده الا من يمتلك الموهبة، واعني هنا اولئك الذين يقدمون فنا كاريكاتيريا ناضجا وليس العاديين منهم، والمفتي احد المبدعين بهذا الفن، أي ان لديه ملكة المبدع الذي لايطرق بابا الا ويعرف انه يفضي به الى ما يريد، فهو بالتأكيد قارئ للقصة قبل ان يكون كاتبا لها، ولعلي اشرت الى ذلك وقلت انه من القراء النابهين الذين يهمني بصدق رأيهم في ما اكتب من قصص، بعد نشرها على صفحتي، كونه يعيش في الخارج ولم نلتق لنتحدث. قصص (كذلك) وجبة فنية شهية، تمتعت بها وشكرت الصديق برهان المفتي على كرمه ووددت ان اكتب عنها هذا الانطباع السريع والبسيط، لأشير اليها وادعو ال قراءتها. المجموعة صدرت عن (دار نصوص) للنشر والتوزيع.









