(ثلاث مرات أخطأني الموت)
أياد خضير / العراق
ثمة وقت في حياة كل انسان، ينظر فيه الى ما مضى من عمره. لعل في هذه النظرة يختار مستقبله وتستيقظ فيه احاسيسه، وفجأة يحدث امر ما، ينتظر فيه المصير.
يبقى الانسان متنقلا بين الثقة والشك. هناك شخوص لا تحصى خرجوا من العدم ودخلوا العالم وعاشوا حياتهم واختفوا. يرى نفسه مجرد ورقة صفراء سقطت من شجرة وراحت الريح تحملها عبر الطرقات.
شعر عدنان انه وحيد والكآبة تفترسه حتى اراد البكاء لكنه لم يستطع. توقف في الظلام وقرر ان ينهي حياته عند الجسر.
سار ودخل ارضا غير مبنية، سقط على كومة من النفايات جراء التعب. سال الدم من قدمه. راح يركض في شارع مظلم، ثمة كلاب نابحات ركضت وراءه، تعثرت قدماه فسقط على الارض وهربت الكلاب.
بصعوبة وصل البيت، دخل غرفته وتمدد على فراشه.. حصيرة بالية وغطاء بلون الارض، حاضنا تعاسته تفترسه الاحلام السوداوية.
في ليلة من ليالي الجنون والثمالة والعنف التي عرفها عدنان في صباه، البرد قارص وهو تائه لا يعرف اين يسير. ذهب الى المحل هناك يقضي الليل فيه لان اخاه الاكبر طرده من البيت امتثالا لطلب زوجته الحاقدة.
كانت ليلة ظلماء هزت دواخله وهو مستلق على كرويته الجلوس بعد غلق الباب. شعر بشيء يدغدغ ظهره، نهض مسرعا وفتح الضوء شاهد عقارب تحت شرشف الكرويته.
قال في سره: كم تمنيت ان الدغ بدون ان احس وافارق الحياة التي اصبحت راكدة ومملة.
لكل انسان اجله. هذه المرة الثانية التي تمنى عدنان الموت فيها وتأجل مصيره.
وحدث عن المرة الاولى قائلا: كنت اسير في سوق المدينة الكبير، انتبهت الى سيارة اسعاف وشرطة. وقفت اتأمل الموقف شاهدت رجلا محمولا على سدية، مفارقا الحياة.. سمعت بانه انهى حياته بنفسه وقد كتب ورقة بانه الفاعل ولا يتهم احدا.
هذه الحادثة كانت محفزة لي. قمت بفعل مشابه وكتبت ورقة بانني الفاعل ولا اتهم احدا.. ونمت. عند الفجر صحوت احس بان شيئا ما سيحدث. بقيت خائفا قلقا ارى في منامي احلاما مخيفة.. حتى صحوت تماما بعد يومين.
كأنني لم اكن سوى زوبعة صغيرة انطلقت وانتهت او كأنني غيمة امطرت وتلاشت او كأنني قلم سكب مداه على الورق واصابه الجفاف وانتهى. هذه الحياة اصبحت في نظري مثل اوراق الخريف الصفر.
لقد تسللت اصابع الظلمة مرتبكة داخل صدري.. داخل احشائي ليكون لها مقر خلف الضلوع.. ما عساي ان افعل؟
اما المرة الثالثة التي تقمصني الموت ولم ينل مني فلي فيها حديث اخر..
كنت اجلس امام موقد الخشب المحروق، تأخذني الافكار، لابد في يوم ما احترق بالنار.. النار التي تأكل الخشب سوف تأكلني، تطاردني كلماتي وتوجعني السطور عند قراءتها، وتزدحم افكاري فيكون قراري نهائي.
مسكت الوعاء المملوء بالنفط.. وفي يدي ولاعة، افز من فعلتي.. اصحى.. واصرخ: لا اريد الموت! اريد العيش! حتى في المزابل!
يدخلوني الحمام ويغسلون راسي وجسمي، انكب على وجهي انتظر ماذا يحدث بعد ذلك.. اسمع لغطهم: يا للخسارة اصيب بالجنون.









