عدنان الفضلي
تشرين ثورة تقدمية وطنية ستبقى راسخة في الذاكرة الجمعية للعراقيين لسبب واحد: أن من قادها هم الشباب الواعي الذي ينتمي لوطنه وشعبه فقط، وينهل من روافد عراقية أصيلة فكرياً، وهي الوطنية واليسارية والمدنية.
من وجهة نظري أن تشرين، كثورة، التقت بدرجات متفاوتة، ثلاثة روافد رئيسية: الوطنية التي تدافع عن السيادة والاستقلال في القرار، واليسار الذي يتبنى العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات العاملة والمهمشة في صميم مشروعه، والمدنية التي تؤكد الحريات والمواطنة والمساءلة.
غير أن قوة هذا الالتقاء تكمن في انفتاحه على المجتمع وتعدديته، لا في ادعاء احتكار الانتفاضة أو نسبتها إلى جهة واحدة.
لقد كانت تشرين تعبيراً عن جيل جديد يستلهم من التاريخ، لكنه لا يكتفي بتكراره؛ جيل أراد أن يقول إن الوطن ليس امتيازاً تمنحه السلطة، وإن المواطنة ليست بطاقة انتماء، وإن العدالة لا تتحقق بالشعارات وحدها.
ستبقى ثورة تشرين محطة بارزة في التاريخ العراقي الحديث؛ لأنها أعادت طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوطن والدولة والعدالة والكرامة، ولأنها كشفت أن المطالب المعيشية ليست منفصلة عن طبيعة النظام السياسي، وأن الحرية لا تكتمل من دون عدالة اجتماعية، وأن الوطنية تفقد معناها إذا لم تنعكس في حياة المواطنين وحقوقهم.
إن الوفاء لتشرين لا يكون بتحويلها إلى ذكرى سنوية فحسب، ولا بالاكتفاء باستعادة صور الساحات وأسماء الضحايا، بل بفهم أسبابها، والدفاع عن حق العراقيين في الاحتجاج السلمي، والعمل من أجل دولة تحترم الحريات، وتكافح الفساد، وتضمن تكافؤ الفرص، وتخضع فيها السلطة للمساءلة.
وإذا كانت الانتفاضات السابقة قد تركت في الذاكرة العراقية إرثاً من المطالبة بالاستقلال والحرية والعدالة، فإن تشرين أضافت إلى هذا الإرث لغة جيل أراد استعادة الوطن من الانقسامات والامتيازات، وإعادة الاعتبار إلى المواطن بوصفه صاحب الحق الأول في الدولة.
قد تنحسر موجات الاحتجاج، وقد تتغير الشعارات والوسائل، لكن الأسئلة التي تطرحها الانتفاضات لا تنتهي بانتهاء الحشود. وما دام العراقيون يتطلعون إلى وطن يحمي كرامتهم، ويصون حقوقهم، ويجعل ثرواته في خدمة مستقبلهم، ستظل تشرين صفحة مفتوحة في تاريخ النضال الوطني والاجتماعي العراقي، وامتداداً لحلم لم يتوقف: عراق حر، مستقل، عادل، يتسع لجميع أبنائه، وشعب سعيد يريد أن ينتهي هذا الظلم المتناسل.





