رأي الحقيقة

رأي الحقيقة

ثورة تشرين..

امتدادٌ للانتفاضات الوطنية

لم تكن ثورة تشرين التي اندلعت في العراق في الأول من تشرين الأول عام 2019 حدثاً عابراً في تاريخ الاحتجاجات الشعبية، ولا مجرد انتفاضة شبابية فرضتها البطالة وتردي الخدمات واتساع رقعة الفساد. لقد كانت تعبيراً عن أزمة وطنية واجتماعية عميقة، وامتداداً لذاكرة عراقية حافلة بالانتفاضات والحركات الشعبية التي رفعت، في مراحل مختلفة، رايات الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وسعت إلى بناء دولة يكون فيها الإنسان غاية الوطن لا ضحية سياساته.

إن تشرين، بهذا المعنى، ليست جزيرة معزولة عن تاريخ العراق، بل حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات بين تطلعات الشعب إلى حياة حرة وكريمة وبين أنماط الحكم التي أخفقت في الاستجابة لمطالبه. وهي، في الوقت نفسه، تجربة جديدة حملت ملامح جيل تشكّل وعيه في ظل الحروب والحصار والاحتلال وأزمات النظام السياسي الذي تأسس بعد عام 2003.

حين نستعيد وثبة كانون عام 1948، وانتفاضة عام 1952، وما شهدته العقود اللاحقة من حركات وطنية واجتماعية، فإننا لا نستحضر أحداثاً تاريخية منفصلة فحسب، بل نقرأ صفحات من سيرة شعب ظل يطالب بحقه في تقرير مصيره، ورفض التبعية والاستبداد، ودافع عن حقه في المشاركة في صناعة مستقبله.

لقد مثّلت وثبة كانون محطة بارزة في مقاومة معاهدة بورتسموث والهيمنة البريطانية، وأظهرت قدرة الجماهير على مواجهة الخيارات السياسية التي تتعارض مع تطلعاتها الوطنية. كما أسهمت انتفاضات وموجات احتجاج أخرى في ترسيخ تقاليد سياسية واجتماعية جعلت الشارع العراقي، في لحظات مفصلية، طرفاً مؤثراً في معادلة الحكم.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تشرين بوصفها امتداداً لذاكرة الاحتجاج الوطني والاجتماعي، لا تكراراً حرفياً لتجارب الماضي.

لم يكن جميع المشاركين في تشرين ينتمون لفكر معيّن، ولم يحملوا جميعاً رؤية أيديولوجية واحدة، لكن كثيراً من مطالبهم التقت مع قيم العدالة الاجتماعية التي دافعت عنها الحركات التقدمية عبر تاريخ العراق.

فحين يطالب شاب بفرصة عمل تتناسب مع قدراته، أو يرفض مواطن أن تتحول الخدمات الأساسية إلى امتياز، أو يحتج الناس على تبديد المال العام، فإن القضية تتجاوز الشكوى المعيشية إلى سؤال سياسي جوهري: لمن تُدار الدولة، ولمن تُنفق الثروة، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟

لقد وضعت تشرين هذه الأسئلة في قلب المجال العام، وأكدت أن بناء وطن عادل لا يتحقق بمجرد رفع العلم، بل بتحويل الانتماء الوطني إلى حقوق ملموسة ومساواة أمام القانون.

لم تولد تشرين من فراغ. فقد سبقتها احتجاجات عام 2015 التي رفعت مطالب الإصلاح ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، ثم احتجاجات عام 2018 التي شهدتها مدن عراقية عدة، ولا سيما في الجنوب، احتجاجاً على البطالة وتراجع الخدمات وضعف الاستجابة الحكومية.

كانت تلك الموجات مؤشرات على تراكم أزمة اجتماعية وسياسية لم تعد الحلول الجزئية قادرة على احتوائها. ومع كل موجة جديدة، كانت تتسع المسافة بين الوعود الرسمية وتجربة المواطنين اليومية، وتتراجع ثقة قطاعات واسعة بقدرة المنظومة السياسية على إصلاح نفسها.

ثم جاءت تشرين، فاتسعت رقعة الاحتجاج وازدادت كثافة المشاركة الشبابية، وبرزت بغداد والناصرية والبصرة والنجف وكربلاء ومدن أخرى ساحاتٍ للمطالبة بالتغيير.

بدأت المطالب بالتركيز على فرص العمل والخدمات ومكافحة الفساد، لكنها تطورت إلى مطالب سياسية أعمق، شملت رفض المحاصصة والطائفية السياسية والتدخلات الخارجية، والدعوة إلى إصلاح بنية النظام السياسي وضمان محاسبة المسؤولين.

إن ما ميّز تشرين لم يكن اتساع المشاركة وحده، بل انتقال الاحتجاج من المطالبة بإصلاحات خدمية محددة إلى مساءلة طبيعة النظام السياسي والعلاقة بين المواطن والدولة.

من أبرز ما حملته تشرين أنها أعادت طرح الهوية الوطنية العراقية باعتبارها إطاراً جامعاً يتجاوز الانقسامات الطائفية والحزبية. فقد اجتمع في ساحات الاحتجاج شباب ومواطنون من خلفيات اجتماعية وفكرية مختلفة، ربطتهم مطالب مشتركة تتعلق بالكرامة والحقوق والمستقبل.

لم يكن هذا الحضور إنكاراً لتنوع المجتمع العراقي، بل اعتراضاً على تحويل هذا التنوع إلى وسيلة لتقسيم السلطة وتوزيع الامتيازات وإضعاف مفهوم المواطنة المتساوية.

ومن هنا اكتسبت الشعارات الوطنية في تشرين معناها الاجتماعي والسياسي؛ إذ لم تكن دعوة إلى وحدة شكلية، بل مطالبة بدولة تحمي الجميع، وتضمن لكل مواطن حقه في العمل والتعليم والصحة والأمن والمشاركة السياسية.

كانت ساحات تشرين أكثر من أماكن للتظاهر. فقد تحولت إلى فضاءات للتضامن والعمل التطوعي والنقاش السياسي والثقافي، وبرزت فيها مبادرات شبابية ونسوية وفنية ومدنية عبّرت عن رغبة في استعادة المجال العام من هيمنة القوى التقليدية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان