كتاب الحقيقة

مهرجان طريق الشعب

 الكلمــــة والفنـــــون فـــــي فضــــاءات مفتوحــــة

عدنان الفضلي

 ليس كل مهرجان مجرد احتفال عابر، ولا كل تجمع ثقافي مناسبة تنتهي بانطفاء أضوائه ومغادرة جمهوره. ثمة مهرجانات تحمل في تفاصيلها معنى يتجاوز البرنامج المعدّ لها، وتختزن في فضاءاتها ذاكرة وطن وتجارب أجيال، وتعيد وصل ما انقطع بين الثقافة والناس. ومن بين هذه التجارب يبرز مهرجان «طريق الشعب»، بوصفه موعداً سنوياً مع الكلمة الحرة، واحتفاءً عراقياً بالثقافة والإبداع والحياة.

في بغداد، وعلى ضفاف دجلة، حيث تتعانق الذاكرة مع الحاضر، وتحت ظلال حدائق أبي نؤاس، يعود مهرجان طريق الشعب في دورته الحادية عشرة، حاملاً شعار «كلمة.. حرية.. أمل»، ليؤكد أن الثقافة ليست ترفاً اجتماعياً، ولا نشاطاً هامشياً يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة من ضرورات بناء المجتمع وصيانة وعيه.

هذا المهرجان الذي انطلقت دورته الأولى عام 2013، لم يعد مجرد فعالية تنظمها جريدة «طريق الشعب»، وإنما تحول تدريجياً إلى تقليد ثقافي وإعلامي يجمع الصحفيين والكتاب والشعراء والفنانين ودور النشر والمؤسسات الثقافية، ويمنح الجمهور فرصة نادرة للقاء المباشر مع مختلف أشكال الإبداع العراقي.

ولعل ما يمنح المهرجان خصوصيته أنه لا يضع الثقافة في برج عاجي، بل ينزل بها إلى الشارع، إلى الناس، إلى فضاء مفتوح تتجاور فيه الكتب والصحف واللوحات الفنية والأغنية والمسرح والحوارات الفكرية. هنا لا تكون الثقافة حكراً على النخب، بل تصبح شأناً عاماً، وممارسة يومية، وحقاً إنسانياً في المعرفة والجمال والتعبير.

ومن اللافت في الدورة الحادية عشرة اختيار الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الراحلة لطفية الدليمي شخصيةً للمهرجان، وهي المرة الأولى التي تختار فيها امرأة لهذه الصفة منذ انطلاقه. ويحمل هذا الاختيار دلالة ثقافية وإنسانية تستعيد منجز امرأة عراقية كرست حياتها للكتابة والمعرفة، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي والفكري، وجعلت من الإبداع مساحة للدفاع عن الإنسان وحقوقه وحريته.

إن الاحتفاء بلطفية الدليمي ليس استعادة لاسم أدبي فحسب، بل استعادة لقيمة المرأة المبدعة في الثقافة العراقية، ولأدوارها في تشكيل الوعي وتوسيع آفاق الكتابة والحوار.

ولأن «طريق الشعب» ليست مجرد اسم لصحيفة، فإن استحضارها في هذا المهرجان يستدعي تاريخاً طويلاً من الصحافة العراقية، وتجربة ارتبطت منذ تأسيسها عام 1935 بقضايا الوطن والناس، وبالأسئلة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة. ومن هنا تبدو العلاقة بين الصحيفة ومهرجانها علاقة تتجاوز التنظيم والرعاية إلى استمرارية مشروع ثقافي يرى في الكلمة وسيلة للتنوير، وفي الصحافة مسؤولية تتصل بحياة المجتمع ومستقبله.

ولعل أهمية المهرجان تكمن أيضاً في قدرته على جمع الاختلافات الثقافية والفكرية في مكان واحد. فحين تتجاور الصحف ودور النشر، وحين يلتقي الشاعر بالتشكيلي، والمسرحي بالصحفي، والباحث بالقارئ، تتشكل صورة مصغرة عن عراق متعدد الأصوات والتجارب، لا يمكن اختزاله في اتجاه واحد أو رؤية واحدة.

إن العراق الذي أنهكته الأزمات، وتنازعت فضاءاته خطابات السياسة والانقسام، يحتاج إلى مثل هذه المساحات التي تعيد الاعتبار للحوار، وتمنح الإنسان فرصة الإصغاء إلى الآخر، وتؤكد أن الاختلاف ليس تهديداً للمجتمع، بل أحد مصادر غناه وتنوعه.

ومن المهم ألا نتعامل مع المهرجان بوصفه حدثاً احتفالياً فحسب، بل باعتباره فرصة للتفكير في مستقبل الصحافة العراقية، والتحديات التي تواجه الكتاب الورقي، والتحولات الرقمية، وحرية التعبير، ومكانة الثقافة في الحياة العامة. فالكلمة التي يحتفي بها المهرجان ينبغي أن تظل قادرة على مساءلة الواقع، ومناقشة الأخطاء، وفتح النوافذ أمام الأفكار الجديدة.

إن «كلمة.. حرية.. أمل» ليست مفردات ثلاثاً اجتمعت لتزيين لافتة المهرجان، بل هي مفاهيم مترابطة؛ فالكلمة تحتاج إلى حرية كي تؤدي رسالتها، والحرية تحتاج إلى وعي يحميها، والأمل يحتاج إلى ثقافة تجعل المستقبل ممكناً.

هكذا يبدو مهرجان طريق الشعب أكثر من مناسبة ثقافية سنوية؛ إنه محاولة لإبقاء جذوة الثقافة متقدة في مدينة لم تتوقف يوماً عن إنجاب الشعراء والمبدعين وأصحاب الأسئلة الكبيرة.

وفي زمن تتراجع فيه مساحات القراءة والحوار أمام ضجيج المنصات وسرعة الاستهلاك، يصبح اجتماع الناس حول كتاب أو قصيدة أو لوحة أو فكرة فعلاً ثقافياً يستحق الاحتفاء.

سلاماً لطريق الشعب وهي تفتح نوافذها للناس، وسلاماً لكل من يرى في الثقافة طريقاً آخر لبناء الوطن، وفي الكلمة جسراً نحو الحرية، وفي الأمل إمكانية لا ينبغي أن تنطفئ.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان