الجزء الأول
الـضـيـــــوف
كان الظلام يخيم على بغـداد في تلك الساعة من الليل. ليل ثقيل، ممطر، يخيم على بناية المشرحة التي بدت وكأنها قلعة من العصور الوسطى أو بيت للأشباح.
كان الحارس آدم في غرفته يتابع الفيلم الأجنبي، فقد كانت السينما بالنسبة إليه هي العالم الحقيقي. الحياة دائما في مكان آخر كما قرأ عنوان رواية لكاتب أعجبه.
الفيلم الذي قد بدأ منذ فترة وجيزة اسمه (القيامة) كان يتحدث عن حياة الهنود الحمر قبيل وصول الأسبان إلى سواحل العالم الجديد. حينها أعجبه مشهد من الفيلم، فدون حواره، كعادته حينما يعجبه حوار ما في الأفلام. كان المشهد حينما اجتمعت القبيلة حول النار وهم يستمعون لشيخ هرم منهم يروي حكاية عن الإنسان والحيوان. العجوز كان يتحدث ووهج النار يضيء وجهه، بينما وجوه الجالسين تنظر بإجلال ورهبة إلى وجهه الذي يشي بحكمة السنين:
– جلس الإنسان وحيدا وحزينا جدا، فجاءت جميع الحيوانات إليه وقالت له: نحن لا نريد أن نراك حزينا، لذلك يمكنك أن تطلب منا كل ما تتمنى. فقال الإنسان: أتمنى أن تكون لي عينان تبصران بقوة. فقال له النسر: خذ بصري. فقال الإنسان: أريد أن أكون قويا. فقال له النمر: خذ قوتي وكن قويا مثلي. فقال الإنسان: أريد أن أعرف أسرار الأرض. فقالت له الأفعى: سأريك إياها جميعا.
وهكذا جاءت جميع الحيوانات في طابور لتمنح الإنسان كل ما تملك وما يميزها. وحينما حصل الإنسان على كل شيء قام ذاهبا. عندها قالت البومة لبقية الحيوانات: هكذا حصل الإنسان على كل المعارف وحاز على كل القوى، وبإمكانه أن يفعل كل شيء. وأنا أشعر بالخوف منه. فقال الأيل: لقد حصل الإنسان على كل شيء يحتاجه ويتمناه ولن يكون حزينا بعد الآن ولن يحتاج إلى شيء. فقالت البومة: لقد رأيت فراغا هائلا في داخل الإنسان، فراغا شاسعا كالجوع، وهذا لن يتركه هادئا. لذلك فهو حزين، وسيطلب أكثر وأكثر، وسيأخذ ويأخذ دائما، إلى أن يصرخ العالم ذات يوم: لم يبق عندي أي شيء لأمنحك إياه، لم يبق عندي شيء.
حينما انتهى الفيلم شعر الحارس آدم بالخوف، لأن الحياة التي كان يعيشها سكان المايا لم تفرق إلا قليلا عن حياة المشرحة. فالجثث التي يتم شقها وتقطيعها يوميا هي لموتى، لبشر فارقوا الحياة. وبالتالي فهم لا يشعرون بالألم، لكن كهنة المعابد عند المايا كانوا يقدمون الأضاحي بشق صدور الأسرى وإخراج قلوبهم وهم أحياء ثم قطع رؤوسهم ودحرجتها من أعلى المعبد الذي بني على شكل هرم فرعوني. في هذه الأثناء سمع آدم صوت بكاء آت من الممر. صوت صبي ينادي أمه. ظن أن صوت البكاء قادم من التلفزيون. فأخفض الصوت، فجاء الصوت واضحا من الممر.
أحس آدم الارتباك الممزوج بالخوف والدهشة. أبقى صوت التلفزيون منخفضا إذ يمكنه قراءة الترجمة. بالرغم من أن الفيلم قد انتهى. لكن صوت البكاء لم ينته. كان ينخفض للحظات، ويصمت للحظات، لكنه يعود عاليا في أرجاء الممر. نهض بهدوء، أخذ المصباح الذي يعمل بالبطاريات معه بالرغم من أن الممر كان مضاء. راودته فكرة غير منطقية أو معقولة، لكنه حاول من خلالها تفسير هذا الصوت الذي يسمعه، فربما أنه صوت بكاء صبي نسيه أهله في المشرحة، لكنه أجاب على تساؤلات نفسه: من الذي يجيء بصبي إلى مشرحة؟ وكيف لم يفتقده أهله؟ وأين كان هذا الصبي طوال كل هذا الوقت؟ ولماذا يأتي صوته من الممر في الطابق السفلي؟ ماذا لو جاء المساعد والرجال الثلاثة مرة أخرى؟
فتح باب الغرفة فجاء الصوت أقوى. خرج إلى الممر متجها نحو جهة الدرج، لكنه انتبه إلى أن الصوت يأتي من الجهة الأخرى المقابلة، جهة قاعة الثلاجات وقاعة التشريح. ركز أكثر فانتبه إلى الصوت يأتي من قاعة التشريح المغلقة والغارقة في الظلام.
بحذر شديد وبخطوات مرتبكة وبطيئة اتجه آدم نحو جهة الصوت. وقف أمام قاعة التشريح فسمع الصوت بشكل أوضح، بل لم يكن صوت الصبي وحده وإنما هناك مجموعة أصوات تحاول أن تواسيه على غياب أمه. بغريزته عرف أن هذه الأصوات هي أصوات الجثث. ارتعب آدم، وعاد راكضا إلى غرفته. أغلق الباب بالمفتاح، وبقي خلف الباب واقفا وهو يحس بقشعريرة تسري في أوصاله. ماذا يجري له؟ هل جن؟ هل ما يراه، ويسمعه، هو حقيقة؟ ومن يصدقه إذا ما روى ذلك؟ في الأعلى سمع قصصا أصحاب يؤكدون بأنهم أعدموا، لكنه لم ير أي منهم، لكن هنا يعرف هذه الجثث، وأنها في طابقه؟ فجأة سكت صوت البكاء. لكنه سمع ضجة باب يُفتح، وصوت خطوات تتعالى في الممر. الخطوات تتجه نحو جهة الغرفة. أخذ قلبه يدق بقوة. حين وصل صوت الخطوات إلى باب غرفته رفع كفه، لا إراديا، ومسك فمه كي يمنع نفسه من الصراخ









