في عدد اليوم من جريدة (الحقيقة) نستضيف على مائدة الحوار الناقد و الأكاديمي المغربي د. مصطفى سلوي ، أحد الأسماء الأدبية المغربية الذي وضع بصمة خاصة له في المشهد النقدي الأدبي ، حيث امتلك قوّة العبارة فبرع في القول و النقد ، مستلهماً جوهر المعنى من حيث الاكتشاف العابر لتقنين الحدود الى منابع اللاحدود…وِفق تجريبية الاستلهام و التخيل و الغوص في عمق الذات لتؤثر بذلك كتاباته عبر النسق المتسلسل لجريان التاريخ الجزئي و المطلق…ويذكر أن ضيفنا لعدد اليوم الدكتور مصطفى سلوي ، أستاذ النقد ومناهج الدراسات الأدبية ، خبيرٌ مُحَكّمٌ بمجلة الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الشارقة، و رئيس مخبر ديداكتيك وبيداغوجيا التواصل بكلية الآداب-وجدة-المغرب ، أصدر العديد من المؤلفات الأدبية في مجال النقد نذكر من بينها : تحليل النص الشعري: مبادئه وأدواته الإجرائية ، تحقيق النصوص وهندسة الخط العربي)، دراسات في الشعر المغربي المعاصر….و لخصوصية ما تتسم به أعماله الابداعية و تميزها …و حتى تكتمل الصورة و ينبض الألق في الحضور كان لنا معه هذا الحوار الذي تميّز بالعفوية الراقية و الوعي الانساني ..فأهلا و سهلاً به بيننا…
حاورته – سناء الحافي
* أ.د.مصطفى سلوي ، نرحب بك في أروقة جريدة الحقيقة و نستهل حوارنا معك بسؤالنا التقليدي على امتداد الأدب و الوطن …في سطور موجزة كيف تصف لنا رحلتك الأدبية بين عواصم البحث و الدراسة في كنه المغرب؟
– أودُّ أن أستهل هذا الحوار بتقديم شكري وامتناني إلى الأستاذة الشاعرة الرقيقة سناء الحافي، وكل الساهرين على إدارة وتحرير أعمدة وأبواب جريدتكم الغراء، وقد شرفتموني بتوفير فسحة الحديث هذه إلى قرائكم الأعزاء؛ آمِلاً أن يجدوا في هذا الحوار ما يفيدهم.
أنْ أَصِفَ لَكُمْ رحلتي الأدبية بين عواصم البحث والدراسة، معناه، أنني فعلا خُضْتُ هذه الرحلة وانتهيتُ منها. غير أن واقعَ الحال لدي يُفيدُ بأنَّ رحلتي هذه لا تزال في محطة الإقلاع. صحيح أنني ألفتُ عددا مِنَ الكتُبِ، وَكَتَبْتُ ما لم أَعُدْ قادِراً على إِحْصائِهِ من المقالات والدراسات، غير أنَّ كُلَّ هذا لا يفيدُ بِأَنَّني فعلاً قادِرٌ على وَصْفِ رِحْلَةٍ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ، وما كُلُّ ما كَتَبْتُهُ لحد الساعةِ سوى (سَقَطٍ)، بِلُغَةِ أبي العلاء المعري (رحمه الله) حين نظم (سقط الزند)، يَكُونُ قَبْلَ انْطِلاقِ الرحلةِ/ رِحْلَةِ الكتابةِ. أنا الآن في الخمسينَ من عمري، ولعله العُمُرُ الذي تَتَفَجَّرُ فيه عبقرية المرء، وَيَعُبُّ مِنْ زادِ التجاربِ والقراءات التي تَشْحَنُ لديه القاطِرَةَ التي سَتَجُرُّ، بعد حينٍ مِنَ الزمن، رِحْلَةَ البَحْثِ وَالْكِتابَةِ..
أصدرت العديد من المؤلفات التي تناولت الأدب العربي بكل قضاياه، حدثنا عن هذه الاصدارات و ماذا أضافت للمكتبة الأدبية المغربية برأيك ؟ و هل باعتقادك استطاع د. مصطفى سلوي ايصال رسالته الأدبية الى المتلقي المغربي و العربي من خلالها؟
من الصعب جدا أن يتحدث المرء عن مؤلفاته وتقديمها إلى القراء في عجالة، ولكن مادام الحال يتطلب ذلك، فإنني أقول: أَصْدَرْتُ عَدَداً مِنَ المؤلفات؛ أولها (تحليل النص الشعري: مبادئه وأدواته الإجرائية)؛ وهو الكتاب الذي حاولتُ فيه قدر المستطاع تنزيلَ أنواع المقاربة التي يمكن أن تَطالَ النص الشعري العربي القديم، ووضع حَدٍّ لنوع من الفوضى التي عَمَّتْ التطبيق الأعمى لكثير من مناهج القراءة؛ خاصة حين يتعلق الأمر مثلا بالبنيوية وما ازدهر في إثرها من رؤى بفرنسا وإنجلترا. ثم إنه الكتاب الذي أوْقَفْتُ أكثر مِنْ ثُلُثَيْهِ على التطبيقات الخاصة بالنصوص الشعرية، بعيدا عن الانبهار بما يأتي مِنْ عِنْدِ الْغَرْبِ، بالرغم من أنني خريج أقسام فرنسية بباريس.
أما كتاب (مبدأ الخصوصيات، أو معينات قراءة النص الأدبي)؛ وقد صدر عام 2003، فتوخيت من خلاله إرْساءَ معالِمِ تَصَوُّرٍ خاص بقراءة النص الأدبي، من خلال مَداخِلِهِ الكبرى ومُحَرِّكاتِ الكتابة لدى مبدعه وأذكر أنني كنتُ من أوائل الذين طرحوا هذا المفهوم للنظر عام 1989 في ندوة علمية حول عتبات النص. وبالمناسبة، فإن الكتاب عرض لنماذج من الشعر المغربي المعاصر، وصنَّفَها تبعا لمعيِّناتِ الكتابة لدى مؤلفّيها، بالإضافة إلى مبدأ الخصوصية الذي يُعَدُّ من أبرز مقومات الكتابة، الشعرية والسردية، التي تحدث عنها الأستاذ عباس محمود العقاد أواسط القرن الماضي.
ويأتي كتاب (تحقيق النصوص وهندسة الخط العربي)، ليُرَمِّمَ بعضا من نظرات التحقيق؛ وإن كنتُ مسبوقا بكثير من شيوخ هذا التخصص. إلا أنني عمِلْتُ في هذا المؤلف على إمالة العناصر القديمة في تحقيق النصوص، إلى جملة من القواعد المنهجية التي تعلمتها بالجامعة الفرنسية؛ وكان من رجالها مستعربون اهتموا بتحقيق النصوص العربية.
وفي سنة 2004، ألفت كتابي (عتبات النص: المفهوم والموقعية والوظائف) الذي يعتبر أول تأليف في العتبات أو النصوص الموازية، يَصْدُرُ في العالم العربي في كَمٍّ من الصفحات يُقارب الثلاثمائة صفحة. وبالرغم من أن كثيرين، في المغرب على وجه الخصوص، سبقوا إلى هذا الضرب من التأليف، إلا أنني جمعت في هذا الكتاب، على طريقة أحد أساتذتي بالجامعة الفرنسية الأستاذ (جيرار جينيت) في كتابه (عتبات/)، مختلف النصوص الموازية للنص المتن، ونظرت إليها نظرة جديدة، بالإضافة إلى الوقوف عند عناصر أخرى، لم ينتبه إليها الأستاذ (جيرار جينيت)، ولا الذين ألفوا في هذا المجال، موجودة في تراثنا العربي القديم.
ثم يأتي كتابي (صحوة الفراشات: قراءة في قضايا السرد النسائي المغربي المعاصر) ليُسَجِّلَ شبه (صحوة) بالنسبة إلي أنا أيضا؛ إذ وجدت في كتابة المرأة، التي كان الجميع لاهيا عنها لأسباب معروفة لا يمكن لنا الخوض فيها ههنا، جملة من الخصوصيات والقضايا القمينة بالنظر والدراسة، وهي التي فتَحَتْ عيناي على مَهْيَعٍ من الممارسة النقدية القرائية، ابتدأت بالنص الأنثوي المغربي المعاصر، ثم سَرَتْ بعد ذلك إلى نصوص أنثوية أخرى عربية؛ من الكويت والجزائر ومصر وغيرها من البلاد العربية.
أما كتاب (دراسات في الشعر المغربي المعاصر)، فسأقف عنده في الرد على سؤالك الثالث المتعلق بالمشهد الشعري بالمغرب. ولا أريد أن أختم هذه الوقفة دون أن أشير إلى أن هنالك مؤلفات أخرى لها علاقة وطيدة بالجوانب التقنية للعلوم.
من خلال تناولك للمنجز الأدبي دراسة و تحليلاً…لك قيد الطبع كتاب:دراسات في الشعر المغربي المعاصر.. كيف لك أن تصف لنا المشهد الأدبي المغربي حاليا في ظل الارهاصات التي يتعرض لها النص نظرا لطفرة النص النقدي؟
صحيح أنني ألفت كتابا هو عبارة عن (دراسات في الشعر المغربي المعاصر)، وأردتُهُ أن يكون إطلالة على المشهد الشعري المغربي الحديث والمعاصر، حيث إن الكتاب يقرأ نصوصا من مراحل متعددة من سيرورة الكتابة الشعرية المغربية في السبعينيات والثمانينيات، ونصوصا أخرى من الشعر الذي تلا هذه المرحلة. وفكَّرْتُ في جَعْلِ هذا التأليف خاضعا لناموس القضايا والخصوصيات، بدل المدارس أو التوجهات الشعرية لدى هذا الشاعر أو ذاك؛ الشيء الذي مَكَّنَ مِنَ الوقوف عند عدد كبير من الشعراء والشواعر المغاربة المعاصرين؛ من أمثال: محمد الخمار الكنوني، والمجاطي، وأحمد مفدي، وعبد الكريم الطبال، وحسن الأمراني، ومحمد علي الرباوي، ومحمد بنعمارة، ومحمد لقاح، ومحمد بنيس، ومحمد الأشعري، ومصطفى الشليح، وأحمد بلحاج أية وارهام، وأمينة المريني، وزهرة زيراوي، ومليكة العاصمي، وعائشة البصري، وفاتحة مرشيد، وغيرهم من الشعراء والشواعر الذين استطاعوا أن يطبعوا المشهد الشعري المغربي بميسمهم الخاص.
ثم إن الهوامش الثقافية التي ظهرت هنا وهناك، في المقاهي الأدبية والصالونات والنوادي الثقافية، بمختلف جهات المغرب، أذْكَتْ الحركة الأدبية وأمَدَّتْها بَنَفَسٍ جديدٍ، جعل المغرب قِبْلَةً لكثير من الناشرين المشارقة الذين يطمحون من وراء جَلْبِهِمْ للإصدارات المغربية إنْعاشَ حركة القرءاة، وقبلها التأليف، التي كَسَدَتْ سوقُها في أماكن أخرى كانوا يَرْتادونَها.
* نبقى مع النقد……ما رأيك في انقراض النص النقدي حاليا ، و ما هي الأسباب باعتقادك التي ساعدت في ذلك؟
– سبق لي غير ما مرة أن وقفت عند هذا الأمر بكثير من التفصيل؛ خاصة في مجموعة من المحاضرات التي ألقيتُها هنا وهناك، وأيضا من خلال جملة من المقالات المنشورة في بعض المناير الثقافية. الحق أن هذا الموضوع هو الذي يؤرقني أشَدَّ ما يكون الأرق؛ وذلك لاعتبارات حضاريةٍ مفادُها أننا الأمة ذات الخمسة عشر قرنا من المعارف، وكل هذا الزخم المعرفي لَمْ يُبْنَ خارج السيرورة المنهجية التي أطَّرَتْ هذه المعارف ووجَّهَتْها. وبالرغم من كُلِّ ذلك لازلنا ننتَظِرُ حتى يَنْفُضَ الغرب يديه من أكلة (منهجية) شهية، لنتهافَتَ نحن، بعد ذلك، على فُتاتِ الموائد. بل إنَّ مِنّا مَنْ هُم متَخَصِّصون في (زِبالَةِ) الغرب؛ يرتادونَها، لأخذ ما تَمَّ لَوْكُهُ من مناهج غربية، ثم يُؤْتى بها لِتُطَبَّقَ على معرفي عربي له ظروف نشأته المحلية وخصوصياته الحضارية والجغرافية والإنسانية.
* من النقد الى الاعلام المغربي….هل أنصفك كاتب و باحث و أكاديمي لما قدّمته طيلة هذه السنوات ؟
– في حقيقة الأمر ما زلت لم أقدم إلى الثقافة المغربية شيئا ذي بال أنتظر من الإعلام المغربي أن ينصفني فيه أو يقوِّمَني جَرّاءَهُ. وبالرغم من ذلك يمكنني أن أقول لكِ بأن في المغرب مجموعة من المنابر الإعلامية التي تهتم اهتماما خاصا بالباحثين والأكاديميين بصورة تجعلهم يثقون في إعلامهم الذي أصبح متميِّزا وخالصا من الشبهات. ولكن هذا لا يمنع من تواصل ما يسمى بالإعلام الذي يعتمد الألوان السياسية لتقديم هذا الباحث وتأخير ذاك؛ وإن كان ذلك في حدود ضيِّقَةٍ جدّا.
والحمد لله أن مثل هذا الإعلام الذي كان مسيطرا في القرن الماضي، تراجع بصورة شبه كلية مع انكسار بعض (المراكز)، وظهور ما دعوته في دراسات سابقة لي بـ (الهوامش). وأنا من منبركم هذا أُحيّي كُلَّ المنابر الثقافية الإعلامية المغربية بخاصة والعربية بصفة عامة؛ تلك التي ترفع من قيمة الأدب والأدباء، دون تحيُّزٍ لهذا اللون أو ذاك، ودون ما يمكن أن يُصْطَلَحَ عليه بالنشر عن طريق الإخوانيات والتقريظات وما شابه ذلك من الممارسات المشينة؛ هَمُّها الوحيد خدمة المتلقي وَوَصْلُهُ بالأدب الرفيع الذي من شأنه أن يمتعه ويفيده ويُغَيِّرَ مجرى حياته نحو الأفضل..
باعتقادك ماذا أضاف المقهى الأدبي للنخبة الأدبية في مدينة وجدة و التي كان لي الشرف يوما أن أكون حاضرة فيه بينكم ؟ و ماذا أضاف لك على المستوى الشخصي؟
اِستطاعت المقاهي الأدبية والصالونات والنوادي في البلاد العربية عموما، وفي بلاد المغرب بوجه خاص ان تكون إحدى الرئتين اللتين تتنفس بهما الثقافة العربي والمغربية. وفي تراجع ثقافة (المركز) التي لم تعد لها الضمانات اللازمة والإشعاع الذي كان من قبل، خلال ستينات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عادت ثقافة المقاهي والصالونات والنوادي الأدبية إلى الواجهة، حيث انتشرت، في كل مدينة وحتى القرى المغربية، لتؤدي دورَها الذي كانت دائما تؤديه؛ وهو المحافظة على ازدهار الحركة الثقافية عموما والأدبية على وجه الخصوص.
وهكذا كانت نشأة المقهى الأدبي بمدينة وجده؛ المقهى الذي سعى في ظهوره ثلة من المثقفين وخريجي جامعة محمد الأول بمدينة وجدة (المدينة التي تقع شرق المغرب على خط الحدود بين المغرب والجزائر). وقد استطاع هذا المقهى في ظرف وجير جدا أن يعيد إلى المدينة تألقها، وأن يكون من وراء حركة أدبية دائبة، استقطَبَتْ عددا كبيرا من مثقفي الجهة؛ من الشعراء والروائيين والقصاصين والمسرحيين، بالإضافة إلى أساتذة الجامعة وطلبتها، على اختلاف مستوياتهم وأجناسهم..
وطبعا كنت أحد هؤلاء الأساتذة الذي ارتادوا هذا المقهى وما زالوا يرتادونه؛ لأن أكثر مثقفيه أولا من طلبتي بأقسام الإجازة والماستر والدكتوراه، والسواد الأعظم منهم ناقش أطروحته بإشرافي أو أمام لجنة كنت أحد أعضائها. بالإضافة إلى أن هذا المقهى ساهم كثيرا في تواصلي بعدد من الفعاليات الثقافية التي لم أكن لأعرفها أو أتواصل معها لولا هذا الجسر الثقافي الذي أدعو له وللقائمين عليه بالتوفيق ومواصلة العمل بعيدا عن تلك الأضواء السامة التي كانت، في يوم من الأيام، سببا في تهاوي عدد من المواكز..
د.مصطفى سلوي ..ما هي المشارب الأدبية التي بلورت خطابك الفكري و الأدبي ، و من كان له دور في التأثير على تكوينك الأدبي؟
تعتبر فترة السبعينات من القرن الماضي فترة التلقيح الإيجابي لكل المغاربة الذين عاشوا هذا العُمُرَ وعاصروا أحداث تلك الفترة وجماليات الأشياءفيها، وشاعرية الحياة التي عاشها الناس، بالرغم من صعوباتها. وأنا من شباب تلك الفترة التي شهدت كُلَّ جميلٍ وكُلَّ قبيحٍ في تلك الفترة. تتلمذت على موسيقى جيل الرواد وأغانيهم، وأشعار شعراء تلك الحقبة ورواياتهم المُضَمَّخَة بكُلِّ ما يمكن أن تتصَوَّرينَهُ من أشكال العطر والدَّمِ والوفاء والغدر. وبعد حين من الزمن والدراسة بالجامعة، سافرت إلى باريس وانتميت إلى قسم السربون الجديد بها؛ حيث خِلْتُ نفسي حينَها (سهيل إدريس) أو (توفيق الحكيم) أو (الطيب صالح) أو الشيخ (طه حسين) أو غيرهم من الذين ساروا قبلي إلى تلك البلاد. ولا أخفيك سِرّاً أنَّني عِشْتُ كُلَّ الذين عاشوه، وَزِدْتُ على ذلك أشياءَ لَمْ يَكُنْ لِتَقَعَ في خَلَدِهِمْ.
وكان لأساتذتي وأصدقائي بالديار الفرنسية، خلال فترة الثمانينات، أثر كبير في تكوين شخصيتي وسلوكاتي ومعارفي؛ خاصة وأني تتلمذت هناك على أيدي طبقتين من الرجال؛ طبقة من بقية المستعربين الفرنسيين وغير الفرنسيين؛ من أمثال: (جاك بيرك) و(أندري ميكال) و(محمد أركون) و(أوديت بوتي) وغيرهم، ثم طبقة من أساتذة العلوم البحثة المتعلقة باللغة؛ أمثال: (جوليا كريستيفا) و(جيرار جينيت) و(جيرار تروبو)؛ مترجم (الكتاب) لسيبويه إلى اللغة العربية، و(دافيد كوهن) أستاذ اللغات الحاميات الساميات بقسم السربون بباريس.
وكان لأبي المنحذر من أصول أمازيغية بسوس، وهو سليل أسرة قائمة على التدريس العتيق بمدرسة بمنطقة (ماسة)، ناحية أكادير؛ وبالضبط في (أزريف)، وأمي التي تنحذر هي الأخرى من أصول أمازيغية من منطقة أغمات على بعد خمس وعشرين كيلومترا عن مراكش، وكانت من النساء اللواتي كانت لهن علاقة وطيدة، انطلاقا من آصرة العمل، بالفرنسيين المقيمين بوجدة إبان فترة الاستعمار،الأثر الكبير في زرع بذور التفوق عندي.
ولا يمكنني أن أنسى أنه كان لأستاذي الدكتور حسن الأمراني، الذي يشتغل حاليا رئيس قسم بجامعة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، فضل كبير في صقل شخصيتي وتكويني، بالإضافة إلى جيل من الأساتذة الجامعيين المغاربة؛ على رأسهم أستاذ الجميع الذكتور (عباس الجراري). ولا أريد أن أغلق هذا الباب دون أن أشير إلى أن انتمائي، في فترة مبكرة من حياتي، إلى واحد من الفرق العتيدة بالجهة الشرقية بالمغرب في رياضة ألعاب القوى، كان له كبير الفضل في ضَخِّ جملة من الدماء القوية التي كَوَّنَتْ شخصيتي ورسَمَتْ معالِمَ الاختيار بالنسبة إلي.
* كلمة أخيرة لقراء جريدة الحقيقة العراقية أستاذي.
– أريدُ، في نهاية هذا الحديث الشّائقِ أن أتقدَّمَ إليك أولا بالشكر الجزيل أيتها الشاعرة الرقيقة الأستاذة سناء الحافي على هذه الفسحة الفكرية التي منحتني إياها أنتِ والسادة الأفاضل القائمون على إدارة وتحرير هذا المنبر الثقافي الرائد والمتميز. وأذكر أني كنتُ قد قرأت لك، قبيل سنة، ديوانك (حورية المنافي) فوجدت فيه شاعرة متميزة آتية في الطريق..
أما قراء جريدة الحقيقة، فأقول لهم بأنني كنتُ أسعد الناس بلقائهم على هذه الأسطر، وأتمنى أن يجدوا في حواري هذا ما يفيدهم ويشحذ عزائمهم، وهم أهل العزم في كل زمنٍ وحينٍ. وما أرغب في إيصاله إلى جمهور قُرّاء هذه الجريدة هو ما سبق لي أسْهَبْتُ فيه،حين طلبتِ مني أن أُحَدّْثَكِ عن المَشارِبِ الثقافية التي أثَّرَتْ في تكوين شخصيتي، وهو الاستثمارُ الأمْثَلُ في أطفالنا، تماما كما يَفْعَلُ الغربُ الذي نتَّخِذُهُ على الدوام، بِحَقٍّ أو بغيْرِ حَقٍّ، منافِساً لنا. كنتُ دائما رَجُلُ ميدانٍ، ساهراً على تنشئة طلبتي، طوال الخمس والعشرين سنة التي قضيتها معهم ومازلت لحد الساعة، التنشئة التي تمَلِّكُهُم سُلْطَةَ الاختيار والاعتماد على النفس.
… أشكركم جزيل الشكر، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أنْ يُبَلِّغَنا ما نصبو إليه من رِفْعَةٍ وسُؤْدَدٍ. والسلام عليكم ورحمة الله.





_1617644865.jpg)



