من أبو حنيج ، مرورا بشرطة نوري السعيد وسعيد قزاز، وعبر أجهزة أمن الجمهورية الأولى، وصولا لعهد الأخوين عارف، وقبلهما تشكيلات الحرس اللاقومي في 8 شباط الأسود، وأخيرا نظام البعث الفاشي في عودته الثانية العام 1968..
علي عبد الكريم حسون
كل هذه العهود التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في آب 1921 ، كان لها هذا السجن الرهيب سردابا ومستودعا، ترسل له خيرة أبناء هذا البلد. ترى ما الذي يميز هذا السجن القلعة عن باقي السجون ، والتي أحصي منها لغاية آذار 1991 ( 72 ) سجنا موزعة على محافظات: بغداد ( 18 ) سجنا. بابل ( 4 ) . ديالى ( 3 ). المثنى ( 3 ). النجف ( 2 ). كربلاء ( 5 ). نينوى ( 4 ) ميسان ( 3 ) البصرة ( 7 ) صلاح الدين ( 5 ) السليمانية ( 4 ) ذي قار ( 2 ) واسط ( 3 ) القادسية ( 2 ) التأميم ( 2 ) أربيل ( 3 ) الأنبار ( 1 ) دهوك ( 1). وبعد إنتفاضة آذار 1991 تم إكتشاف سجون ومعتقلات تحت أرض بنايات المعاهد الدراسية والجامعية، والعمارات التجارية والمؤسسات الحكومية، وتحت أرض بنايات مديريات الأمن، وقرب المستشفيات والقواعد الجوية ومعسكرات الجيش، وقرب كراجات النقل العمومية وتحت الملاجئ والمتنزهات. وماتزال الذاكرة العراقية طرية وخازنة لمآثر الشيوعيين في فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في سجون: بغداد المركزي والكوت والحلة وبعقوبة، وبقية سجون الأجهزة القمعية، كسجون الخيالة في ألوية/ محافظات العراق كالرمادي والناصرية، وعن معتقل ملعب الأدارة المحلية ببغداد، والنادي الأولمبي في الأعظمية، وكذلك معتقل قصر النهاية ببغداد الذي أتخذه البعث وحلفاؤه بعد 8 شباط 1963 سجنا للشيوعيين، ثم عادوا اليه بعد 1968.
البداية كانت على يد جنرال أنكليزي
———————-
( أبو حنيج ) دلالة على طول وجهه من جهة الحنك، هو اللقب الذي أطلقه أهل العراق على السير جون باغوت غلوب باشا ( 1879 – 1986) . قائد الفيلق الأنكليزي المرابط في الأردن والعراق. حيث تم بناء قلعتين، واحدة في الأردن والأخرى في العراق، وفي منطقة البادية بإتجاه أراضي نجد والحجاز، كمخافر حدودية متقدمة لصد هجمات البدو القادمين من شمال شبه الجزيرة العربية ، وكمواقع متقدمة للجيش البريطاني . وكان ذلك العام 1928 .
أصل التسمية
———————-
السلمان من السلم والسلامة، وسميت على إسم سليمان الحميري مبعوث النعمان بن المنذر لتأمين الطرق من هجمات البدو . وفيها على مايعتقد، قبر أحد أجداد النبي محمد. أما إلحاق صفة النقرة على المنطقة ليكون إسمها: ( نقرة السلمان ) ، فلوقوعها في منخفض من الأرض المجاورة له، بحدود 20 مترا. هي الآن قضاء تابع لمحافظة المثنى. وتبعد عن مدينة السماوة حوالي ( 150 كلم ) والأخيرة تبعد عن بغداد ( 250 كلم ).
منذ أربعينيات القرن الماضي، عملت سلطات العهد الملكي على نفي وأعتقال وسجن الوطنيين واليساريين والسياسيين العراقيين، لهذا المعتقل النائي في عمق الصحراء، بعيدا عن حواضر المدن ومراكز التلاقح الثقافي والفكري والسياسي، فكانت الوجبات الأولى تضم شيوخ العشائر من الفرات الأوسط والأنبار وكردستان، وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى كشرت حكومة نوري السعيد عن أنيابها، لترسل قافلة من قادة الحزب الشيوعي العراقي ويسارييه، وكان عددهم يربو على (200 ) منهم الشهيد سلام عادل وزكي خيري وعزيز الحاج وكاظم فرهود وكامل قزانجي وعبد الوهاب الرحبي وعبد السلام الناصري وحميد عثمان وزاهد محمد وحسقيل قوجمان وسالم عبيد النعمان علي شكر وغيرهم.
يمضي التأريخ ليسرد لنا تفاصيل محطات إستهوت فاشيي العهود القمعية، فبنوا قلعة أخرى لتتسع لآلاف الوطنيين . أحصى منهم جاسم المطير في كتابه المميز ( نقرة السلمان ) أكثر من 4000 سجين، زمن حقبة البعث الأولى في 1963 . حيث وجدوا السجن يغص بالشيوعيين، فأخذوا الشهيدين: عضو اللجنة المركزية ( حمزة سلمان ) والرفيق الضابط الشيوعي مهدي حميد لينفذ بهما حكم الأعدام. ولم يكن عهد العارفين الأول والثاني بأفضل ممن سبقهما في الأبقاء على النقرة، التي لم تعد تستوعب أعداد المناضلين، فكان سجنا الحلة وبعقوبة المركزي، مكانين مفضلين لسلطة البعث. وكذلك معتقل قصر النهاية، حيث أكمل الجزار ناظم كزار ومكتب حنين للعلاقات العامة برئاسة المقبور صدام على خيرة المناضلين، تاركين دعاية سمجة بإلغاء سجن نقرة السلمان. ولكن فترة الثمانينيات، شهدت إرسال الألوف من أبناء شعبنا من الكرد الفيلية، وخاصة الشباب منهم، ليقضوا في هذا المعتقل المنفى. ومن ثم عوائل المؤنفلين الأكراد ليدفنوا أحياء أو بعد تصفيتهم في هذه البقاع. وما قصة تيمور ، الطفل الكردي بأعوامه العشرة والذي نجا بإعجوبة من القتل الذي طال جميع من كان بالقافلة التي أقلت العوائل الكردية ، بعد أن إحتضنته والدته ، ليكمل ( الشفل ) دفنهم جميعا، وليخرج بعد ساعات مصابا بإطلاقة في كتفه ، لتحتضنه عجوز من بادية السماوة.
السجون مدارس…
———————-
منذ زمن (فهد)، تحولت قاعات وقواويش السجون إلى مدارس حقيقية، بمفهومها الأولي (محو الأمية وتعلم القراءة والكتابة) وبمفهومها التثقيفي الفكري كمدارس حزبية، يدرس فيها النزلاء: أصول الفلسفة الماركسية والأقتصاد السياسي وتأريخ الحزب الشيوعي والحركة العمالية والحركة الثورية العالمية. ويحاضر فيها من النزلاء الذين يمتلكون ناصية اللغات الأجنبية وكذلك المتمكنون منهم، وخاصة ممن إجتازوا وتخرجوا من المدارس الحزبية في الأتحاد السوفيتي وبقية دول المعسكر الأشتراكي السابق. وكانت زنازين وقواويش السجون لاتحوي الأسلحة والسكاكين، بل الكتب السياسية والأدبية والروايات ونفائس التراث العالمي .
يورد المطير في كتابه ( نقرة السلمان ) بأن سروره كان عظيماً كما لوكان قد فاز ببطاقة يانصيب، عندما عثر على كتاب من كتب غوغول في سجن النقرة يتداوله المساجين، فأخذ (معطف غوغول) من تحت مخدة عبد الوهاب طاهر، ومن سجين آخر كتاب المفتش العام. وعن ألمه الذي لايوصف وهو يستلم خبر حرق الحرس اللاقومي كتبه في البصرة التي خبأها بحفرة في حديقة البيت، حيث أباحوا لأنفسهم حرقها في آيار 1963 تحت نظره ونظر جميع المعتقلين في مقر الحرس القومي بمبنى نادي الأتحاد الرياضي بالعشار، وقد آلمه منظر الحريق الذي أستمر ثلاثة أيام .
يوم السجين الشيوعي
———————-
يورد السجين عبد القادر أحمد العيداني في كتابه الموسوم (من أعماق السجون، نقرة السلمان… قيود تحطمت) تفاصيل الحياة اليومية لسجناء نقرة السلمان:
أنها تبدأ في الساعة الرابعة فجرا، يمارس التمارين الرياضية المعتقل صادق جعفر الفلاحي، ومن ثم ينهض خفراء المطبخ لأعداد الفطور، وبأشراف الشهيد هندال جادر يجري توزيع الخبز . و الشيء نفسه في وجبتي الغذاء والعشاء، ومن ثم وفي الساعة الثامنة مساء يجري التعداد اليومي للسجناء. بعدها يجري الأستماع لنشرة الأخبار اليومية وتوجيهات المنظمة الحزبية.
كم كان للأطباء دورهم في علاج السجناء، وأحيانا علاج ولادة متعسرة لأحدى نساء القرية . وكان للدكتور رافد صبحي أديب مآثر في إجراء عملية الزائدة الدودية بدون بنج، وكذلك الجهد المتميز للدكتور الفنان قتيبة الشيخ نوري ودكتور الأسنان فاضل الطائي والدكتور سالم سفر . ويستمر يوم السجناء ليزاولوا مهنهم الأصلية، لجعل حياة السجين الشيوعي متيسرة بمطالبها البسيطة ، فهناك ورشة لتصليح الترانسستر والسمكرة والخياطة .
ولعب السجين يحيى ( ق ) بطريقته المشهورة لمكافحة الأمية لدى الكبار، دورا متميزا جعلت الكثير من السجناء الأميين يقرأون ويكتبون ويراسلون أهلهم، وقسم منهم أخذ يذهب لصفوف تعلم اللغات ولمكتبة السجن، حيث تجري في قاعتها المناقشات السياسية والثقافية والأدبية، ساعد على ذلك وجود النخبة الطيبة والمثقفة والأدبية، من شعراء كالفريد سمعان وسعدي يوسف ومظفر النواب ودينار السامرائي، وأدباء ومثقفين وفنانين كفاضل ثامر ومحمد الجزائري وجمعة اللامي..
قطار الموت.. أرادوا شيئا، وأرادت قدرة الصمود شيئا آخر..
ماكاد فجر الرابع من تموز 1963 ينبلج، إلا وكانت القافلة المكونة من ( 520 ) مناضلا شيوعيا، قد تمّ ( شحنها ) في 15 عربة قطار بعد أن طليت بالقار والزفت، وأحكم أغلاقها من الخارج، للآنطلاق بها من المحطة العالمية للسكك الحديد في علاوي الحلة، بإتجاه السماوة لتقطع أكثر من 250 كلم بسرعة بطيئة، كان لها كما خطط منفذوها أن تستغرق 16 ساعة على الأقل ، ليتكفل القير والزفت وحرارة تموز اللاهب وقلة الأوكسجين في عربات هي في الأصل لنقل المواشي والبضائع أن تقضي على هذه الثلة الطيبة من العسكريين والمدنيين والأدباء والمثقفين، إنتقاما منهم على فشل حركة ضابط الصف الشجاع حسن سريع، الذي كان يروم مع رفاقه إطلاق سراحهم من سجن رقم واحد في معسكر الرشيد ومن ثم القضاء على حكم الفاشيست، وذلك في يوم 3 تموز 1963 بعد أقل من 5 أشهر على إنقلابهم الأسود.
كان الأتجاه العام في مايسمى بمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث والحرس القومي، هو إعدامهم جميعا. ولكن تفتق البعض منهم عن خطة جهنمية تتمثل بإرسالهم إلى سجن نقرة السلمان الرهيب في عمق صحراء البادية الغربية بعربات القطار المغلقة ، ليتكفل الأهمال والتقصير وفقدان سوائل الجسم والسرعة البطيئة بالقضاء عليهم ، قبل الوصول للنقرة التي ما إستطاع أي سجين الهرب منها حيا.
يحلو للمجرم والفاشي التلذذ بمنظر ضحيته، فعلى رصيف محطة القطار كانت قيادتهم موجودة ممثلة بعبد السلام عارف وطاهر يحيى ورشيد مصلح وأحمد حسن البكر ومصطفى الفكيكي، ليشرفوا على صعود ضحاياهم وهم مكبلو الأيدي مشدودوا الوثاق. ولتكون التعليمات حازمة وواضحة لسائق القطار عبد عباس المفرجي بأن لايتوقف في أية محطة وأن يسير بسرعة بطيئة جدا. ولكن بعد أن قطع أكثر من 140 كلم، توقف في محطة الهاشمية التابعة للحلة، ليصعد إليه شخص مجهول ويهمس له: ( خالي تعرف أن حمولتك ليست حديدا بل بشر هم من أفضل أبناء شعبنا ) . ساورت الشكوك للمفرجي وليقطع الشك باليقين، طلب من مساعده ( الفايرمان ) أن يتأكد له من صحة الخبر ليعود له مسرعا وهويقول: ( حجي طلع الحجي صدك)
لم يكن أمام المفرجي إلا الأنطلاق بسرعة قصوى بإتجاه محطة السماوة ، مختصرا سويعات كان لها فعل السحر بإنقاذ الركاب . وكانت المفاجأة مذهلة على رصيف المحطة التي تجمع عليه أبناء السماوة الطيبين وهم يحملون الماء والثلج والعصائر للركاب الذين ما أن فتحت أبواب العربات لهم، إلا تهاووا وهم بين الحياة والموت، وليصرخ الطبيب السجين رافد صبحي طالبا عدم شرب الماء، إلا بعد إذابة الملح فيه. وكان له ما أراد ليسترد السجناء وعيهم، وليكمل الأهالي الطيبين مبادرتهم بتسيير شاحنة تنقل المواد الغذائية ولترافقهم لسجن نقرة السلمان.
———————-
الهوامش:
مثال عن معتقلات النظام البعثي تحت الأرض:
* تحت بناية المعهد الفني في البصرة وتحت عمارة النقيب، وتحت شركة النقل مقابل كلية الأدارة والأقتصاد ، وتحت شركة الموانئ قرب سيطرة القادسية / كرمة علي ، وسجنان سريان في قضاء القرنة ، وجميعها في البصرة .
* تحت السوق المركزي في النجف ، وتحت مقبرة وادي السلام قرب دائرة استعلامات ، وتحت مديرية أمن النجف.
* تحت مديرية أمن السماوة .
* تحت الأرض في حدود معمل الزجاج في الرمادي، وكذلك معتقل في مدينة هيت، ومعتقلان في صحراء الرمادي ( h2 وh3 ).
* تحت قصر العاشق في سامراء .
* قرب مستشفى الجذام / البتيرة ، وفي محلة الماجدية بالعمارة .
* خلف السدة ، وفي شارع النهر، وفي مدينة الشعلة والكاظمية، وملجأ حي العامل وتحت متنزه الزوراء ، وسجن الأدلة الجنائية / قرب كلية صدام للعلوم السياسية، وجميعها ببغداد.
* قرب مديرية أمن الناصرية، وقرب كراج بغداد في الناصرية أيضا.
أسماء البعض من ركاب قطار الموت:
———————-
* الضباط : العقيد إبراهيم حسن الجبوري، العقيد حسن عبود، العقيد سلمان عبد الحميد الحصان، المقدم عدنان الخيال ، المهندس الضابط عبد القادر الشيخ ، الرئيس صلاح الدين رؤوف ، الضابط يحيى نادر ، والضابط محمود جعفر الجلبي ، والضابط لطفي طاهر والضباط الأطباء رافد صبحي وعبد السلام بلطة ، والضباط الطيارين عبد النبي جميل وحسين علي
* المدنيون: مكرم الطالباني، عزيز الشيخ محمود، عبد الوهاب الرحبي ، كريم الحكيم، الدكتور أحمد البامرني وفاضل الطائي وعبد الصمد نعمان، علي حسين رشيد، جميل منير العاني، شاكر القيسي ، حامد الخطيب وعلي إبراهيم.







