حوارات وتحقيقات

عند الحافة الشرقية لمدينة بغداد… حي النصر.. عنوان كبير لمنطقة تنزوي خلف بؤسها

كنا نروم الوصول الى حي النصر لما اجتزنا منطقة المشتل ودنونا من تقاطع الفضيلية وحي الشهداء، وعلى يسارنا ربض حي البلديات ، كان المشهد قد تغير تماما عما كنا فيه ، فالشارع العام الرابط لاحياء كثيرة منها : الكمالية والعبيدي والشهداء الثانية كان شديد الغبرة ، وكذلك هو الحال في تلك الاحياء وكأنها غرقت في عاصفة ترابية ، فالغبار كان يتصاعد من كل مكان ، نتيجة حركة السيارات ومركبات الحمل الثقيلة ، والصهاريج والشفلات وغيرها ، سيما وان جانبي هذا الشارع ترابيتان خاليتان من النبت والشجر والزرع ، والمنطقة الصناعية في الكمالية المتخصصة بالمواد الانشائية تسهم يشكل كبير في انتاج الغبار .  وصلنا السيطرة الرئيسة ، ومنها دلفنا نحو حي النصر ، هنا تغير المشهد ثانية اذ  احيط الشارع بمنطقة واسعة انتشرت فيها الورش الحرفية فضيقته محال للحدادة ، واخرى لتصليح (الصالنصات وكهربائيات السيارا ت ، واخرى للضلاعة ، وصبغ السيارات والسمكرة وتصليح صدور السيارات ، ومعرض واسع لبيع الاعمدة الخشبية والحصران المصنوعة من القصب ( البواري ) توزعت بشكل عشوائي مثلما هي مسمياتها التجارية التي تضمن بعضها اسماء لرموز دينية ، والغريب ان ثمة مسجدين كبيرين متشابهين في العمارة والريازة والتصميم التصقا ببعضها كأنهما توأم سيامي .

تحقيق /شاكر المياح

 

في جولتنا هذه كنا بصحبة مفرزة عسكرية بقيادة الملازم ( نزار جبار ) تابعة الى الفوج الثالث من اللواء الثامن ، الفرقة الثانية من الشرطة الاتحادية حتى اتممنا مهمتنا . 

حي الانكفاء وليس النصر 

لا ادري كيف يتسنى للمسؤلين سواء في الادارات المركزية او المحلية اطلاق التسميات على الاحياء السكنية وهي على غير مسمياتها ؟ فحي النصر لا يوحي بان هناك نصرا ما قد تحقق لا في الماضي القريب ولا في الحاضر ، فكل شيء فيه ينبئ بالانكفاء النفسي والاجتماعي ، وكذلك مدينة الحرية التي لا حرية فيها ، وحي الزهور ( الحسينية )  التي ظلت عصية على انبات شجرة واحدة او فسيلة نخل او زهرة سوى ( الشوك والعاقول والطرطيع ) والطحالب ، وغيرها من التسميات الغريبة والمتشابهة احيانا مع تسميات لاحياء اخرى بعضها حملت اسماء لرموز دينية ربما تسيء الى ذلك الرمز . 

مدخل حي النصر غريب في تكوينه وتشكيله ، فهو عبارة عن شارع عرضه ثمانية امتار وطوله اكثر من كيلو متر ، الغرابة تكمن في انه تحول بقدرة قادر الى سوق في الهواء الطلق لا اختصاص له ، فكل البضائع تباع فيه بدءا من احشاء المواشي والاسماك وانتهاء بالاقمشة والالبسة واللوازم المنزلية والمواد الانشائية ، اختلط فيه الحابل بالنابل ، مزدحم بالمتسوقين ، رجال ونساء ، شيوخ وشباب واطفال ، تتلاصق فيه الاجساد وتتلامس الاكتاف ببعضها حتى تصل حد الاحتكاك ، كنا نجد صعوبة بالغة ونحن نحاول المرور فيه . 

 امرأة طاعنة في السن افترشت الارض وامامها كومة من الاسماك الصغيرة ( زوري ) فاحت منها رائحة التفسخ سألتها : 

كم هو رأسمالك ؟ 

: ( خمسطعش الف دينار ) . 

كم تربحين في اليوم ؟ 

: ( ثلثتالاف ..لو الفين ونص ) 

او يكفيك هذا المبلغ ؟ 

: ( جا شعدي .. العصر آخذلي زويريات انكليهن آني وشايبي وناكلهن ) 

كنت اغالب نفسي التي باتت تواقة الى القيء بسبب تفسخ ( الزوري ) وانا اجاذبها الحديث: 

هل لديك اولاد ؟ 

: ( ثنين بنات ومتزوجات ) . 

الا تبديان لكما شيئا من المساعدة ؟ 

: ( لا يحجي رجولتهن غمان ما يخلونهن) . 

لو كان الفقر رجلا لقتلته 

على الجهة الاخرى من السوق وقفت امرأة في وسيط عمرها خلف صينية واسعة تكدست فيها احشاء المواشي والاسماك وقد وضعتها على محمل حديدي ، كانت هي الاخرى تنش الذباب عن بضاعتها اقتربت منها وسألتها : 

من اين تحصلين على بضاعتك هذه ؟ 

: ( من الكصاصيب وبياعة السمج ) . 

هل انت متزوجة ؟ 

: ( ايه ..انكتل بالتفجيرات كبل سنتين وعدي ثلث ولد بالمدارس ) .

 هل هناك اقبال على شراء ما تعرضين ؟ 

 ( الناس اللي ما عدهه تشتريه ) . 

وهنا تذكرت قول الامام علي عليه السلام المأثور : 

( لو كان الفقر رجلا لقتلته ) . 

ونحن ندرج نحو قاع هذا السوق العجيب استوقفت الشاب : ( واثق )  يعمل موظفا في احدى الدوائر الرسمية رفض الكشف عنها قال : 

في محلة 771 ومنذ سنتين تم ربط انابيب مخصصة لمياه الشرب من دون ربط الانابيب الفرعية التي توصل الماء الى المنازل ، كما ان المنطقة تفتقر الى متنزه واحد  وبهذا الصدد قدمنا طلبات للمدير العام بلدية بغداد الجديدة ولم يلبَّ ايا منها ، وكان من المقرر ايضا فتح مجارٍ سطحية للمنطقة غير ان العمل لم يكتمل لحد الان ، وقبل انتخابات مجالس المحافظات تم توزيع عدد من الحاويات كجزء من حملة المدير العام الانتخابية الا انه لم يفز ، كان عدد الحاويات المستلمة من قبل المديرية 12000 حاوية لم يوزع منها سوى الفين فقط وللمعارف حصرا ، اما المدرسة القريبة من السوق فالزحام فيها على اشده ، الصف الواحد فيه اكثر من خمسين طالبا ، والمستوصف الصحي اسم بلا دلالات او مسمى فلا وجود للادوية فيه ، وحتى سيارة الاسعاف هي  الاخرى لا تسعف المرضى الا بعد احضار  المريض الى المستوصف باية واسطة نقل سواء كانت سيارة او عربة دفع  والكشف عن حالته الصحية ، ويلفت الى ان الشارع الذي نقف على ارضيته المتهالكة تم تبليطه قبل شهرين وسرعان ما تأكلت طبقات الاسفلت . 

محاضر ذهبت في  مهب الريح 

الشيخ ( سعد المحمداوي ) قال : شكلنا وفدا برأستي وعضوية عدد من وجهاء المنطقة والتقينا بامين بغداد الدكتور ( صابر العيساوي ) قبل بدء انتخابات مجالس المحافظات  واتفقنا على محضر مشترك لتنفيذ خمسة عشر مشروعا منها تبليط خمسة شوارع داخل المنطقة التي تحوي اكثر من سبعة الاف وحدة سكنية لم ينفذ منها سوى شارع واحد عد فاشلا عند اجراء الفحص عليه ، وكذلك تضمن المحاضر فتح مجارٍ سطحية وتم التنفيذ غير ان الخلل فيه يكمن في رئيس المجلس المحلي لحي النصر المكنى ( بابي عدي ) ، كما حصلت الموافقة على انشاء  مرآب موحد ، ومنها انشاء سوق شعبي ، وشارع سادس يخترق وسط الحي لم ينفذ ، ومدرسة ، وطلبنا ايضا كادرا صحيا للقيام بالخفارات الليلة في المستوصف الوحيد ،الذي يغلق ابوابه ليلا ، لاننا وفي الحالات الصحية الليلية الطارئة نضطر الى نقل المرضى اما الى المشتل او مدينة الصدر ، وهناك نسخة من هذا المحضر لدى وكيل الامين ( نعيم عبعوب ) ، وكوني رئيسا لجنة المتابعة فقد اشرت جملة اختلالات منها تنفيذ 4500 متر مجار سطحية بحسب ( التندر الخاص بهذا المشروع ) والخاصة بالمنطقة التي يطلق عليها ( الاولى ) الا ان  المنفذ منها لا يتجاوز الالفي متر ، ولما سألنا ابو عدي في احد اجتماعاتنا معه عن السبب قال : تم ايقاف العمل في مشروع المجاري السطحية تمهيدا لمد خط جديد لانابيب مياه الشرب الذي سيكون تحت  هذه المجاري فقلنا له بان هذا يعد خللا هندسيا وتصميميا  متعمدا تتحملون مسؤوليته .

المجلس المحلي والدعم الحزبي 

وعن اداء اعضاء المجلس المحلي قال المحمداوي: 

المشكلة تكمن  في ان محافظ بغداد الدكتور صلاح عبد الرزاق  يدعم رئيس المجلس المحلي لانه محسوب على جهة سياسية معينة ، والمشكلة الاخرى ، تتمثل في وجود ناقلتين اثنتين للنفايات فيما المخصص لحي النصر  من قبل امين بغداد  ثمانية ناقلات ، وهذا يعني ان هناك ستة منها لا نعرف مصيرهن ، ولا مكان عملهن ، ويعني ايضا فقدان خمسون فرصة عمل كان يمكن ان يستفيد منها خمسين مواطنا من سكنة المنطقة للعمل مع هذه الناقلات كمنظفين وبواقع 25 عاملا للمنطقة الاولى ، و 25 للثانية وعشرة عمال لسوق المنطقة ، في حين ان عدد العمال الحاليين لا يتجاوز السبعة عمال . 

حصلنا على موافقة الدكتور صابر العيساوي بتخصيص 3000 حاوية نفايات بلاستيكية هدية من امانة بغداد ، ولم يصل للمنطقة منها سوى 950 فقط ، ومن منبر ( البينة الجديدة ) اطالب بتغيير اعضاء المجلس المحلي لضلوعهم بقضايا فساد اداري فضلا عن تلكئهم في متابعة الخدمات المقدمة للمواطنين .

المواطن ( جبارة كاظم ) صاحب محل لبيع الكهربائيات عقب قائلا : عند هطول المطر نكون مرغمين على غلق محلاتنا ،  لان المياه ستدخل اليها من الشارع ، وكان من المفروض ان يخصص مجرى سطحي خاص لمياه الامطار على جانبي الشارع ( السوق ) ولكن نزعة الفساد دفعتهم الى اسئجار صهريج لسحب المياه من الشارع بمبلغ 30 الف دينار للنقلة الواحدة وبشكل يومي سواء امطرت السماء او لم تمطر وبمعدل مرتين في اليوم ، اي انهم ينفقون مبلغ ستين الفا يوميا ،وبما يقرب من مليوني دينار في الشهر الواحد .

المواطن ( جواد ابو ذهب ) تحدث عن انقطاع الكهرباء بسبب ان كل 600 بيت بمحولة كهربائية واحدة ناهيك عن طفح المجاري المستمر والفساد الاداري الذي شاع بين اعضاء المجلس المحلي والتبليط السيئ للشارع الرئيس .

ويوضح رئيس لجنة المتابعة : حي النصر ضمن منطقة واسعة يطلق عليها اسم ( قاطع المعامل ) يعمل على ادارتها اربعة اشخاص هم اعضاء في المجلس المحلي لهذا القاطع موزعين كالاتي : احدهم رئيسا لمجلس حي الرشاد ، والثاني لحي البتول ، والثالث لحي المعامل والرابع لحي النصر الذي هو ( عدي الصالحي).

مقر المجلس المحلي دكان مغلق الابواب 

توجهنا نحو مقر المجلس المحلي وهناك عقدت المفاجأة السنتنا فالمقر ليس سوى دكان مغلق الابواب لم نستدل عليه لولا اللوحة البائسة المعلقة في اعلى الواجهة الامامية له ، دكان طلي بابه بلون احمر ، ربما للايحاء بعدم الاقتراب منه .

الشاب ( عمار نعيم ) يعمل كاسبا قال : رئيس المجلس المحلي لا يعير اهتماما لمعاناة المواطنين فهو لا يتواجد في مقره الا في الليل ، ويجيب على طلبات المواطنين بتعال وبتكبر ، واحيانا يرسل ولده نيابة عنه ، معاناتنا كبيرة ومؤلمة ولا احد يعيرنا اذنا صاغية ( فابو عدي ) لا هم له سوى مصالحه الشخصية والحصول على الامتيازات كلما امكنه ذلك ، وهاانذا ممسك بمعاملتي بانتظار عطفه لتوقيعها وختمها ، ولما سألته عن دور المواطن قال : جد لي من يستمع الينا اقول لك مطاليبي فجميع المسؤولين على شاكلة واحدة ( واحد ساد حلك الاخر ) .

الفتى ( صلاح حسن ) قال : تركت الدراسة بسبب متطلبات الحياة وتأمين لقمة العيش ، سيما وان والدي قد توفي منذ مدة ليست بالبعيدة ، كنت اعمل في احد المعامل ولما اغلق اصبحت الان عاطلا لولا اخي الذي تطوع في الجيش لكنا الان نتسول في الشوارع .

احدهم ذكر بان الحكومة جهزت المنطقة بمولدة موضعية غير ان ( ابو عدي ) امر بايقافها ، لان احد اقاربه لديه مولدة ضخمة ومن اجل تشغيلها اطفأ المولدة  الحكومية بعد شهرين من اشتغالها .

احد المتحلقين حولنا ، اوضح بان اطفاءها كان بحجة انها تجهز اربعين دارا فقط ، بعد ذلك قرر بيعها ووصل سعرها الى ستة ملايين دينار ، لا احد يعترض ، لا احد يحاسبه ، انظر الى تلك المزابل والى المجاري السطحية تختلط سوائلها بمياه الشرب نتيجة تدفقها عبر الانابيب الفرعية الداخلة الى المنازل وحينما نطلب منه رفعها يرد ( شيلوها بيناتكم ) .

( حسين مجيد ) طالب في الصف الخامس الابتدائي بمدرسة الحق الابتدائية ذكر بان عدد طلاب الصف الواحد في مدرستي بين 41 – 45 طالبا ،( ابيات الماء تكسرت، والماء يوصلنه خايس ) وكثيرا ما طلبنا من المقاولين ربط ( الصوندات ) يرد علينا ( شعلينه بالصوندات ) وها هي ( تشفط خيس ) ، . المواطن كمال سوادي ذكر بان ولده طالب في نفس المدرسة ، ونظرا لقلة الكتب فقد عمدوا الى جعل كل ثلاثة طلاب بكتاب واحد يتناولونه بشكل دوري ، ولدي كان شريكا لزميل له في وبالصدفة نقل هذا الطالب واخذ الكتاب معه . 

المعلم في مدرسة الحق ( فلاح محسن جبر ) قال : لم نتسلم  من مديرية التربية كتب القراءة للصفين الثالث والرابع ، فاضطررنا لتوزيع الكتب القديمة ، كتاب واحد لكل طالبين ، ومدرستنا بدوامين ، ومدرستي لوحدها تحوي 1200 طالب ، وكل صف فيه ما يقرب من خمسين طالبا ، وكثيرة هي مشكلات المدرسة ، هناك نقص في الملاك فضلا عن الاعداد المتزايدة للطلبة ، واشاد بالمناهج الدراسية التي بدأت بالتطور الحقيقي ، نحن ندرس اللغة الانكليزية بدءا من الصف الثالث ، وتضم المدرسة عددا لا يستهان به من الطلبة الايتام ، وقبل ايام زارتنا منظمة مجتمع مدني قامت بتوزيع الحقائب عليهم ومنهم الطلبة الاوائل …..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان