احمد الشيخ ماجد
لا اعتقد يوجد شيء, يأخذ وقتاً من الإنسان بقدر ما تأخذه “الصفنة” منه، فهي البلسم الذي يلجأ الإنسان إليه حينما يدلهم خطبه، وتغيب الأفكار عنه، وتستعصِي الحلول عنده فيجلس مستعيناً بها، متسائلاً في داخله عما يجب ان يفعله. فترى الشرود، بادٍ على تقاسيم الوجه بوضوح, وتعطي “صفنته” نمط معيّن, وتجعل الناظر يفهم إذا كانت “الصفنة” آتية من حزن شفيف, لا يستطيع الإنسان ان يفصح به ؟ أو هي نتيجة لقصة عشق, فربما هو يصفن لأن <معشوقته> لم ترد على رسالته في <الفيسبوك> وتعلمون ان الحب اصبح الآن الكتروني, وفرسانه فيسبوكيين!. والعاشق حينما “يصفن” تبدو عليه بوضوح, حتى ان الرجل إذا اخذته “الصفنة” يقولون له : “شني عاشكَـ؟” . قبل ايام نشرت صورة شخصية لي، وقال احدهم “صفنة حلوة” ردّدت عليه “ان الصفنة ليست لي! ولكني لا اعيش بدونها”. في العراق لدينا ارتباط وثيق “بالصفنة” وهذا لكثرة المشاكل التي نبتلى بها، ولا اعتقد يوجد إنسان من على وجه البسيطة يمر بفجائع اكثر منّا!. تجد رجلاً سارح إلى الحد الذي تتخيله إنه طائر في الافق، ويفكر في امر عظيم فتسأله: “وين صافن؟” يرد عليك : “صافن بضيمي” . هذا الجواب لايبعث على الاستغراب، فنحن لم نلقٍ مثل “الضيم” خلّ وفي، ورفيق لايكاد ان يحل عنّا، ويتركنا هانئين!. يصفن الواحد منّا فيخيّل لك إنه في سبات لايستيقظ منه إلاّ باطلاقات نارية, وهذا ناجم عن المحن التي تصيب العراقي, وتعلمون ان الاخير دائما تستعصي الحلول عليه, ومن جميع الجهات سيما السياسية!.. ذات يوم كنتُ جالس في مقهى شعبي, ورأيت شاباً يجلس امامي, وهو غارق في “صفنته” فجأة, وإذا بدمعته تتدلى, وكأنها تحمل مرارة الدنيا واحزانها، كان بودي أن اسأله عن سبب اِنهمار دموعه، وكانت الافكار تهجم علي, الواحدة تلو الاخرى, ترى ماهو الشيء الذي جعله يبكي هكذا؟ هل فقد احد احبته في دوامة الفوضى العارمة التي مرّت بالعراق؟ ام لم يجد مايسد به رمق اطفاله, وخنقته العبرة ولم يستطع كتمانها؟. لا عليكم من صاحبي, فأنا متأكد إنه قصم ظهره دهر العراق, والاخير دائماً يعّذب ابناءه, ويفتك بهم!. احياناً تكون الصفنة مدعاة للسخرية، فحينما يجد الشخص, آخر “صافنا” يقول له : “الصفنة مو الك” ويقصدون بذلك ان “الصفنة للمطي” وليست للإنسان، وهذا لعمري تفكير ساذج، فالإنسان بدون “الصفنة” والتأمل لايعرف ان يتصرف بحكمة, ولايقدر ان يدير اموره بحنكة ودراية… لعل “الصفنات” سابقاً كانت ناجمة عن فكر عميق, وتأمل في هذا الوجود العجيب, وإنشغال بالمستقبل البعيد, ودائماً يفكر الإنسان كيف يبني مداركه الفكريّة على احسن وجه, امّا الآن, فحينما تجد أحدهم سارح, وتسأله : ماذا دهاك ؟ يفزع من سؤالك, ويجيب بسرعة : “جاي افكر بالبرلمان, ورواتبهم التقاعدية, والله ضحكوا علينه!” . جُلَّ افكارنا الآن تتمحور حول الوضع السياسي المتردي, فوضعنا لايسر العدو قبل الصديق, ترانا دائماً “مدوهنين” وخائفين من السياسي الذي ينتمي لطائفة زيد, وكيف إذا ثار المسؤول الذي ينتمي إلى مذهب عمرو, نتخبط بأفكارنا, ونحلل الواقع وإذا به يبعث على الاسى والألم, “صفنتنا” لاتكاد تخرج بحل يفرح قلوبنا, ويطمئنها بعد القلق المستمر الذي نعيشه في غضون هذه الفترة العصيبة, نتساءل في انفسنا, هل يأتي يوم ونكون بمصاف الدول المتقدمة؟. وهل يحل علينا الوقت الذي نفكر فيه بمستقبلنا؟ فكل ما ظهرت في الافق بارقة امل, تتبدد, ومع ذهابها يأتي السواد, لتكون دروبنا سوداء مثل ارواحنا, وقتامة نفوسنا, ويضحى الواقع أكثر سوءاً, وخراباً, لتزداد “صفنتنا” مع خرابه, ونبقى مذهولين من واقعنا الذي فاق الخيال, وازداد عليه…لدينا كنايات كثيرة عن “الصفنة” وكذلك تجد في ثقافتنا الشعبية استعارات جميلة عند شعرائنا, اتذكر أنني وجدت “شايب” وسألته: “وين صافن حجي؟” ردّ علي : “صفنة كَمبرة ووحشة مسيت كَبور!” .









