اراء وأفكار

شباط ووخز الذكريات

 حسن عودة الماجدي

 

يطل علينا من كل عام شهرا عبوسا اسودا . نكاد ان لا نسمع بذكراه و لا نرى صباحاته مع التاريخ ابدا . لكي لا نثقل على الجسم السقيم الواهن من ظلم المتوحشين اصلا . فكل المعضلات و بؤس الخلجات في النفس باتت تؤنب ضمائر الشرفاء و الوطنيين  في كل يوم صباحاً و مساء . اذ قال شاعرنا المرحوم معروف الرصافي : الا ليت يوم العيد لا كان انه – يجدد للمحزون حزنا فيجزع . 

و أنا كاتب السطور لست بشاعر و لكن اقول .

الا ليت يوم  شباط – لا كان انه – يدمي القلوب من توحش ذكراه  ومن اطلالة بعث الموت و الزؤمُ – و من نعيق صوت الشؤم في مصر فكان بطل العروبة المهزوم هو المتأمر .

لا شك ان الثامن من شهر شباط الاسود العام 1963 كان من اسوأ الايام في تاريخ العراق المعاصر فقد اجهز على امنيات شعب باسره بعد ان تنفس الصعداء و انتظر  على الصبر سنين قحط و ايام تعيسة لكي تحقق الثورة التموزية خيرها الموجود والموعود ولكن للموتورين والطائفين والاقطاعيين لهم شأن اخر . اذ اسسوا لهم مساحة من الكيد الديني والتعصب القومي والنفس الماسوني الذي اوصل حزب البعث العفلقي الى سدة الحكم اكثر من ثلاثين عاما. وتعدت  مؤامراتهم الى اكثر من ست وثلاثين  مؤامرة ضد الثورة التموزية وانجازاتها الرائعة . وهنا اشير الى اول تأمر بعد نجاح الثورة باربعة ايام يجسد حقيقة نوايا شرها وشرارها .

العقيد حامد مصطفى مقصود الذي عاصر الزعيم جنبا الى جنب حتى الايام الاخيرة للاستشهاد اذ يقول في موضوع اضاءات في الذاكرة العراقية بعنوان من اجل الحقيقة المنشورة على متن الصفحة العاشرة من جريدة الصباح ذي العدد [ 2587] أن عبد السلام محمد عارف شكل وفدا رسميا برئاسته و عضوية كل من محمد صديق شنشل و محمد حديد و عبد الجبار الجومرد و هم من التشكيلة  االوزارية في النظام الجمهوري الجديد للتوجه الى العاصمة السورية دمشق عندما كانت  الوحدة الثنائية بين مصر و سوريا قائمة . فقد عرض عارف مقترحاً على عبد الناصر لفكرة انضمام العراق و بشكل فوري مع القطرين المذكورين و بألحاح شديد كما اردف قوله في حالة رفض الزعيم للمقترح المذكور فالأمر هين و انه ينهي المعضلة بطلقة ثمنها عشرون فلسا في رأس الزعيم و هنا اود ان ابين للذين فاتهم فارق الزمن للأنقلاب الشباطي الاسود حقيقة كان انقلابا طائفيا بامتياز اذ كان للقوميين في الموصل و كركوك و الرمادي و الاعظمية و الجعيفر في بغداد اليد الطولى في القوى التي اشتركت في الجريمة الشباطية العام 1963 من اجل اسقاط الزعيم و من ثم القضاء على جميع الاهداف السامية التي حررت العراق من نير العبودية الملكية و من ذوات بغداد المرتبطين بالدوائر المشبوهة ان هولاء المصوفين هم عبارة عن مجاميع من النشاز و المؤتلف من خلطات غير متجانسة لكنهم تجانسوا على تفعيل العمل الطائفي و اختلفوا على توزيع المغانم المادية و السلطوية بين النمط القومي التعصبي و بين ايدولوجية البعث الماسوني و اخرين من البلطجيين و الاقطاعيين الذين  خسروا ما بذمتهم من الاراضي الخصبة و الهيبة و امراء حرب تجمعوا في خلايا باطلهم وانتقوا من المفاهيم الشيطانية والعبارات الغارقة بترطيب المشاعر الروحية من اجل تمرير مسوغات التأمر من خلال عبارات الحق التي اريد بها الباطل . اذ عزفوا بأسطواناتهم المشروخة على ابواب علماء الدين بشيوعية الزعيم و تفرده بالسلطة . وان ما قالوه ان بقاء الزعيم على راس السلطة يفتح الابواب الجهنمية تجاه الدين الحنيف . هذه المفاهيم و غيرها كانت مقصودة و مرتبة اصلا من خارج الحدود . مما مكن الشباطيين من نجاح انقلابهم الاسود العام 1963 و بالتالي دارة الدوائر و انقلب السحر على الساحر و تعالت صيحات الندم و عض كلتا اليدين والبهم بعد تنفيذ جريمتهم النكراء بأعدام ابن الشعب البار الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم و النخبة الفذة من رفاق دربه رحمهم الله جميعا و ذلك في اليوم التاسع من الشهر الشباطي المشؤوم العام 1963 و قد يود القارئ الكريم ان يتعرف على بعض الاسماء للانقلابيين اذ اسعفتني الذاكرة على ابرزهم خصوصا من الضباط و هم العقيد الركن الطيار حردان عبد الغفار التكريتي و العقيد الركن صالح مهدي عماش و المقدم الركن منذر الونداوي الذي اصبح قائدا للحرس القومي و العميد الركن عبد الغني الراوي و العقيد صبحي عبد الحميد و المقدم الركن طالب ابو طالب الهاشمي و العقيد احمد حسن البكر و المقدم الركن عبد الكريم نصرت و الملازم الاول عدنان خير الله طلفاح و الملازم الاول سعدون غيدان مساعد كتيبة دبابات خالد شرق القناة و من المدنيين حازم جواد و على صالح السعدي الذي اصبح نائبا لرئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف . هولاء هم بذرة الاجرام في جمهورية الخوف التي اعتمد مجرموها مبدأ نفذ ثم ناقش حقيقة انهم اسسوا قبل اي تاسيس للوقائع المرعبة وخز الذكريات الموجعة من الحرس القومي الذي اسس اكبر قاعدة تقشعر منها الجلود و بأبشع تقاليد القوة التي طورها الجيش الثاني من الحرس القومي في الانقلاب التموزي الابشع العام 1968 بصفحة سوداء منذ اليوم الاول لأستلام السلطة و لغاية 2003 هولاء ماتو جميعا  ولم يذكرهم ذاكر ولم يزرهم زائر ماتوا و هم متهمون من ابناء شعبهم بقتلهم القيم االتي نادى بها الزعيم الخالد لانه صادق مع الجميع و اراد ان يخدم الجميع لا ان يستخدمهم فقد بقي صوته و صورته رقيب و مراقب على عمل السلطات العراقية المتعافية و هاجس خوف جم للتواضع والنزاهة لذلك انصف فيه الكتاب و الشعراء و اخيرا قرأت لافتة في ابرز ساحات بغداد مكتوب على متنها 

رسمك بالكمر     كالوا طلع رسمك 

وكل حره انجبت     سمت ولد بسمك 

يانور النزاهة       ابصفحت التاريخ 

عدوانك طفوا     وانت اعتلت شمسك 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان