هناك من يعتبر أن الأدب الساخر ليس تنكيتاً ساذجاً على مظاهر الأشياء، ولكنه يشبه نوعا خاصاً من التحليل العميق الذي قد يغوص في عمق الحقيقة و يترجمها الى مقالات و قصائد ساخرة التي تجعلنا نعبر عما في قلوبنا من هموم ونصوغه بطريقة كوميدية تعبر عما في داخلنا من هموم ومشاكل اجتماعية وسياسية
اذ أن كتاب الأدب الساخر يعبرون عن الآلام والأحزان بطريقتهم الخاصة، ويقدمون هموم مجتمعهم على شكل ابتسامات ومفارقات، فهم لا يستطيعون العيش بحزن طوال الوقت
فتراهم في قمة حزنهم يقدمون الفكاهة والسخرية مما يدور حولهم معتمدين في ذلك على أساليب فكاهية و لغة قريبة من التهريج …
تحقيق / سناء الحافي
فالأدب الساخر لا يمتدح الجمال بل يعري القبح ويضعه في مكانه الصحيح ويُظهر الحقيقة العارية و هو خليط من التمرد على الأمور غير المرغوب فيها وانتقاد لما يحصل في الدنيا من مشاكل على مختلف الأصعدة سواء اجتماعياً أو سياسيا أو ثقافياً في قالب هزلي يجعل المتلقي يقرأ الطرح الأدبي الساخر بدهشة واعجاب …لكن غيابه في حياتنا الثقافية جعلنا نطرح العديد من التساؤلات : أين ذهب أولئك الكتاب الذين تميزوا بهذا النوع من الكتابة وسط الأحداث التي يموج بها العالم العربي والعالم كله بشكل يومي وتثير السخرية والأسى والحزن معاً؟
هل فقد الكتاب قدرتهم على هذه الكتابة، أم منعوا منها، أم أصابهم اليأس هم أيضاً وفقدوا قدرتهم على السخرية؟ هل كانوا يكتبون لمجرد التسلية والفكاهة، أم لكشف المهمش وتعرية المستبدين والظالمين؟ ولماذا سكتوا الآن؟
( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تقف على أسباب غياب هذا الأدب الجميل ، مركّزة على الأسباب و الدوافع التي جعلت الأدباء عازفين عن هذا النمط الأدبي في عصرنا الحالي الذي حتما يستحق أكثر من نقد و سخرية و اهتمام….
السخرية سلاح يهزّ عروش الظالمين …!!
فكما قال الكاتب الفلسطيني الكبير اميل حبيبي :”السخرية سلاح يهز عروش الظالمين” …لكن ما نلاحظه هو اختفاء هذا النمط الأدبي الرائع أو تقلصه في ظروف تجعلنا نحتاجه و بقوة ..قراءة و كتابة لنحلق بعيدا عن الحزن و الاوجاع
لذلك يحتاج الأدب الساخر إلى موهبة خاصة وليس كل من يكتب بخفة ظل يعتبر من الأدب الساخر، فهناك من يكتبون في الصحافة العربية ويتمتعون بخفة ظل، ويقدمون انواعاً من القفشات والنكت، لكن هذا ليس من الأدب الساخر في شيء، فالأدب الساخر أدب عظيم لا يستطيع كتابته إلا كل موهوب، مثقف، واسع المدارك، كبير القلب، يحتوي آلام البشر وهمومهم واوجاعهم في الحياة، فتكون سخريته كالبلسم الذي يداوي جراحهم، لان الأديب الساخر الموهوب يعلو بهم فوق الحزن ويساعدهم على تجاوز مرحلة الكآبة أو الإحباط أو الحزن، ويصيب أعصابهم بنوع من الاسترخاء اللطيف، فيفكرون بسلام، ويعيدون النظر في ما يتخذونه من قرارات وتكون صحتهم النفسية أقدر على التفكير، وهذا جزء من وظيفة الأدب الساخر، الذي يعتبر نوعا من النقد الاجتماعي تماماً مثل فن الكاريكاتير الذي يشارك صانعوه كتاب الأدب الساخر في الموهبة وان اختلفوا معهم في الأداة، فأداتهم الريشة، وأداة الأدب الساخر الكلمة فكل كاتب أو شاعر لهذا النمط عليه أن يحتوي قلباً كبيراً حانياً، لدرجة ان السخرية وان أصابت شخصاً بذاته فإنها لا تجرحه، ويكون أول من يضحك على نفسه…
أدباء العراق الساخرون …..يعانون الفاقة و يرسمون الابتسامة في عالم عاهر !!
و يضيف الدكتور علي ثويني بهذا الصدد: (ينتابني شعور حين أقرأ لوجيه أو شلش بأنهم ينقلون لي الصورة الحقيقية الصادقة للروح العراقية المرحة المحبة للحياة والصابرة والباحثة عن الحقيقة والقافزة فوق بيئة نفسية تتداول وتتعامل باللوعة والشكوى والألم والملامة. وأجد أن كتابات هذا الرهط تقتنص الفرح من الحزن وتستجلب الدعابة من الكآبة، وتبث الفرح والتفاؤل في النفوس التي أعياها الهم، وترسم الابتسامة في عالم عاهر يسكت على المهازل ، ويطبق أخرسا حينما يستباح الدم العراقي، ويغمز مؤيدا للتفخيخ البعثي- الأصولي داعيا إياه (مقاومة)، متشفيا بقتل الأبرياء من أهلنا ومتلذذا بمشاهد أشلائهم..
مؤكداً على أنّ هؤلاء المبدعين لا يسترزقون من إبداعهم ومواهبهم، لذا فهم يعانون الفاقة، و إنعكس الألم على حال جيوبهم بما لم يمنع جذوة المكارم ونداءات الضمير في دواخلهم وإلتقاطهم لهواجس العامة، وأمسى مسعاهم متنفس لبواطن الذات الحبلى بالهموم، ومقصدهم إسماع الصوت المدون. وهكذا تبوءوا المكانة التي يستحقوها في حركة الفكر الاجتماعي، حينما تبعها صدق في الوسائل وحسن في الغايات….
لكن ما نلاحظه في الحاضر غياب هذا الأدب الجميل الذي يضفي علينا بعض البهجة الممزوجة بالواقعية ، و غيابه يجعلنا نشكك في قدرة أدباء العصر الحالي على إتقان و حبك هذا الفن الأدبي الذي اشتهر به العديد من رواد الأدب سابقا و نذكر على سبيل المثال : شريف الراس من سوريا، إميل حبيبي ومحمود شقير من فلسطين ومن السعودية أحمد قنديل …
فحينما بدأ العقاد القول عن ملكة السخرية عند المعري سائلاً لم يسخر الانسان ؟
أجاب قائلاً : ” إنه ينظر إلى مواطن الكذب من دعاوي الناس فيبتسم
وينظر إلى لجاجهم في الطمع وإعانتهم أنفسهم في غير طائل فيبتسم
وهذا هو العبث .. وذاك هو الغرور !!
لذلك نجد أن الكتابة الساخرة مرتبطة بمناخ الحرية وتحتاج الى مصارحة الذات و الثقة التي تجعل من الكاتب الساخر ذو سلطة على قلمه في التعبير عن تناقضات يراها أو يعيشها بشكل كوميدي معتمدا على تكسير جميع الحواجز اللغوية والأدبية لتكون الرسالة أقوى من طلقات الرصاص ….
الظروف التي مرّ بها الانسان العراقي تصنع منه ….إما كاتبا ساخرا وإما مجنونا !!
أما الدكتور الكاتب العراقي الساخر محسن الصفار يقول في حديثه لـ ( الحقيقة ) : (لم يستطع الأدب الساخر التطور مثلما حدث مع ألوان الأدب الأخرى، لأن الكاتب الساخر يوصم بالتهريج والاستهزاء على العكس من الشاعر مثلا، فقررت أن اوجد لونا جديدا من الأدب الساخر العربي – مع احترامي لمن كتب قبلي ويكتب الآن وسيكتب مستقبلا في الأدب الساخر- واعتمدت في ذلك على تبني فكرة معينة في قمة الجدية مثل المواضيع السياسية والدينية والاجتماعية، واطرحها في قالب مبسط ومضحك متصل بحياة الناس وهمومهم، وكتاباتي تثير الأسى أكثر من إضحاكها القارئ لأنها تعكس واقعا معاشا؛ وقد اختلف النقاد في تصنيف كتاباتي فلا هي قصة قصيرة ولا هي مقال وليست شعرا بالتأكيد ولا نثرا، واتفقوا على أنها نوع من الأدب الجديد في اللغة يختلف عما كتب من قبل…
مشيراً على أن الأدب الساخر لا ينمو إلا في بيئة معينة، يجب إن يكون فيها نوع التسامح والتقبل للآخر والتنوع، لأن وظيفته الأولى هي فتح الأعين وإثارة الانتباه، فنحن نعاني في المجتمع من العديد من المشاكل التي لا نلتفت إليها، وواجبي ككاتب وإعلامي أن أسلط الضوء وافتح عين الجمهور على تلك المشاكل وأساعد في تشخيص المشكلة فتلك هي مقدمة العلاج، بالطبع لا أتوقع أن تغير كتاباتي مجتمعا بأكمله لكنها على الأقل ستلفت انتباه الناس إلى ما يحيط بهم…
لن نستطيع استعادة الأدب الساخر إلا بإعادة نشر كتب الكتاب الساخرين..!!
و في رحلة البحث عن أسباب غياب أدباء النمط الساخر أو ربما يكون السؤال الأدق هو لماذا تقلصت مساحة الكتابة الساخرة في حياتنا الثقافية؟ تجيب الناقدة فريدة النقاش : ( أن تقلص هذه المساحة باتساع مساحة الثقافة المرئية والمسموعة واستقطابها للامكانيات الموجودة لدى الكتاب في أشكال الدراما التلفزيونية والدراما الاذاعية، وكذلك السينما، فالكاتب رأفت الميهي أقام عالمه السينمائي كله على السخرية من الواقع العربي المعاش، فنقل الكتابة الأدبية الى ميادين أكثر رحابة، وعموماً فالأدب الساخر أياً كانت صورته فهو يهدف الى دفع المجتمع الى رؤية نفسه على حقيقتها، لان السخرية تكشف التناقضات، فتكشف الحقيقة، ولهذا تكون أداة من أدوات التغيير في المجتمع، وعادة ما يتعرض هذا الأدب للملاحقة، لأنه لا يكشف العيوب الاجتماعية فقط، بل يعريها، كما يعري الظالمين ويجعلهم محوراً للسخرية،مؤكدة على أن السخرية هي النوع الوحيد من الكتابة الذي لا يمكن أن يسجن اذا كانت مبنية على وعي، ولن نستطيع استعادة هذا النوع من الكتابة إلا بإعادة نشر كتب الكتاب الساخرين… اذ ليس هناك رصيد في حياتنا يغذي روح المرح وتذوق السخرية، فرغم فترات التوتر التي يعيشها الشعب العربي الآن، فإيقاع الحياة يزداد بشكل مخيف ولا يجعل هناك فرصة للتأمل أو الاسترخاء، بل ليس هناك فرصة للمرح، الناس تلهث وراء لقمة العيش والاهتمامات الأخرى كالتلفزيون والسينما والرحلات وغيرها، وكلها اهتمامات وافدة حرمت الشعوب العربية من نفسها…
ممكن ان تبكي الناس بسهولة ولكن من الصعب اضحاكهم !!
و خلال هذا السياق يرى الشاعر العراقي الساخر رياض الوادي في حديثه لـ ( الحقيقة ): ( أن الشعر الساخر هو أصعب أنواع الشعر.. وهناك قول لأحد الفلاسفة على ما أعتقد يقول: “ممكن ان تبكي الناس بسهولة ولكن من الصعب اضحاكهم”.. الشعر الساخر هو فن صعب جدا عليك ان تأتي بفكرة وربما تكون مؤلمة وتصوغها على شكل قصيدة ساخرة. أنا في قصائدي الساخرة اعتمد دائما على الفكرة. المدرسة الشعرية لها أعمدتها وروادها أمثال حسين القاسم واحمد مطر وملا عبود الكرخي، أنا انتهجت هذا الخط في الشعر الشعبي. ويمكن القول أنا الشاعر الوحيد في العراق الذي أنتمي لهذه المدرسة…
و يضيف قائلا : فقد كتبت عن جميع الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع العراقي من نقص الخدمات او من أداء البرلمان. أية ظاهرة سلبية أجدها في أي مفصل أتناولها في قصائدي وبشكل ساخر.. هذا الاسلوب في طرح المعاناة هو اسلوب سلس يشد القارئ والمستمع، والشعر الساخر هو أقرب الى الناس لأنه ينقل المشهد الاجتماعي والسياسي كما هو من دون رتوش، فلم أكن يوما طائفيا.. كل قصائدي كانت دفاعا عن وطني وشعبي وأهلي الذين تعرضوا ومازالوا يتعرضون لهجمة شرسة تقودها الفصائل الاجرامية. أنا أنقل واقع حال.. لم أكتب من الخيال ولم أتجنَ على أحد والكتابة باسلوب ساخر هدفها الأساس هو النقد وليس محاباة لشخص ما او جهة معينة، لم أكن ولن أكون طائفيا ولكني لن أتغاضى عن الواقع وسأطلق قلمي وانتقد كل حالة من شأنها التسبب بالأذى لوطني وشعبي).. خلاصة القول، فإنه ليس في الأدب الساخر والسخرية بالشكل التي بدت عليه صورتها فيما تقدم، ما يسيء لأحد سامعيه أو قرائه، ولا ينم منه ما يجرح النفس، طالما لم توجه سهامه الى ما ينتقص من شخصية السامع أو المتلقي بالذات، وهو يدخل من جانب آخر في إطار حرية التعبير عن الرأي سواء بالنقد لرأي الآخر أو بالكتابة المباشرة، وهذا عادة ما تكفله دساتير الدول الديمقراطية …!!




_1617644865.jpg)



