تعدّ هجرة العقول والكفاءات العربية معضلة مزمنة يعاني منها الوطن العربي و يلجأ لها المواطن، وتعني هجرة الأدمغة او استنزاف العقول في مفهومها الشمولي : انتقال الموارد البشرية التي تمتلك المعرفة والمهارات التقنية من بلادها الأصلية النامية إلى البلدان المتقدمة، بسبب ما تواجهه هذه الموارد البشرية من صعوبات في بلادها الأصلية مثل الحروب، أو النزاعات المسلحة، أو عدم الاستقرار السياسي، أو البطالة، أو قلة فرص التقدم الوظيفي، أو ندرة مجالات البحث العلمي، أو المخاطر الصحية، وغير ذلك،و يعتبر العراق البلد الأكثر تأثرا بهذه المعضلة بسبب استنزاف كفاءاته الفكرية و العلمية بحثاً عن سقفٍ آمن يبحث فيه المهاجر المثقف عن فرصة تحقيق الذات … وما تعرضت له هذه الكفاءات عبر سنوات طويلة من عمليات الاغتيال والتهجير القسري والطوعي، يندرج في اطار التصفية الجسدية والفكرية في محاولة لاخلاء العراق من ثروته المتجددة رغم حاجته الشديدة اليها، وخاصة في مرحلة اعادة البناء. حيث ان تأسيس جهاز علمي وصناعي وتقني قادر على بناء اقتصاد عصري ودولة عصرية، يعتمد بشكل أساسي على الكفاءات والخبرات العلمية.
ومن خلال هذا التحقيق ، نحاول من خلال أروقة ( الحقيقة ) الوقوف عند الاسباب التي أدت الى تفاقم هذه الأزمة في وقت أصبح الوطن بحاجة لهم و لعودتهم ، مما يستدعي دراسة هذه المشكلة من خلال أبعادها العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، مع طرح جملة من التساؤلات أهمها : البحث في الأسباب الحقيقية التي تزيد من تفاقمها ، و تحديد المشاكل الرئيسة التي تواجه عودة الكفاءات العلمية العراقية ، وماهي الحلول والمقترحات الجذرية لهذه المعضلة …
تحقيق/ سناء الحافي
وتشير الإحصاءات إلى أن 7,350 عالماً هاجروا من العراق إلى الغرب في الفترة من 1991 -1998 بسبب الحصار الذي كان مفروضاً على العراق. وفي السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق أي من 2003 – 2006، اُغتيل 89 أستاذاً جامعياً عراقيا، وتقول منظمة العمل العربية إن هنالك 450 ألف من حملة الشهادات العليا العراقية الذين هاجروا إلى أمريكا و أوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة، وإن أكثر من نصف الطلاب العرب الذين يتلقون دراساتهم العليا في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم بعد التخرج وهذا يدل على وجود خلل يجب معالجته لمصلحة كل من الوطن و أبنائه الشباب.
حرمان العراق من كفاءاته العلمية …مكسب دولي !!
و في هذا الصدد يرى د.نجم الدليمي أن مشكلة “هجرة العقول” لها ثلاثة ابعاد رئيسة مترابطة ومكملة بعضها مع البعض ولايمكن الفصل بينها و لخصها في المحاور الآتية:
– البعد العلمي: فكما هو معروف ، تسعى البلدان المتقدمة الى استغلال الظروف السياسية والاقتصادية الاجتماعية … الصعبة التي تواجه الكوادر العلمية في البلدان النامية ومنها العراق بالعمل على سحب هذه الكوادر عبر اساليب مختلفة لصالحها لما تملكه هذه الكوادر العلمية من مؤهلات وخبرات علمية رصينة وكفوءة .وبالتالي تستطيع البلدان المتقدمة من استثمار هذه الكفاءات لصالح تطورها الاقتصادي – الاجتماعي والعلمي، وبالوقت نفسه يتم حرمان البلدان النامية ومنها العراق من جهد وخبرة هذه الكوادر العلمية ، اي بمعنى أخر افراغ البلد النامي من خيرة كوادره العلمية الوطنية.
– البعد الأقتصادي: يكمن البعد الأقتصادي في ان ” هجرة العقول” العلمية تشكل مكسباً مادياً كبيراً للبلدان المتقدمة ، اذ تحصل هذه البلدان على كوادر علمية جاهزة لم يتم اي انفاق مالي عليها، وبالتالي يمكن القول انها تشكل ربحاً اقتصادياً كبيراً للدول المتطورة ، وبالوقت نفسه تشكل هجرة الكوادر العلمية خسارة علمية ومادية كبيرة على بلدانها لايمكن تعويضها، وبالمقابل تبقى هذه البلدان النامية متخلفة من الناحية العلمية والاقتصادية بالمقارنة مع البلدان المتطورة.
– البعد السياسي : تشكل النخبة العلمية في اي بلد النواة السياسية والعلمية الرئيسة لما لها من دور ومكانة وتأثير مباشر على الحياة والاحداث السياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافية ، ويعود سبب هذا الدور لما تملكه هذه الكوادر العلمية من وعي ونضج سياسي ومن معرفة علمية وهذا ماتخشاه بعض الانظمة في البلدان النامية ومنها البلدان العربية.
اشاعة مناخ الخوف…كفيل بإسكات أصوات العراقيين!!
ويضيف الاستاذ الجامعي الدكتور ناظم الجواهري : يجب التركيز على ثلاث عوامل قد يساعد عرضها في تعميق النقاش من اجل توضيح الظروف التي يمر بها البلد في الظرف الراهن : في البداية يجب التأكيد على حقيقة ان العراق يتميز بوفرة جميع العوامل التي تعد ضرورية لانطلاق اية نهضة علمية كالقوى البشرية المؤهلة في الداخل والخارج وتوفر الاموال والموارد اللازمة . العامل الاول هو انفلات الوضع الامني في البلاد وتمادي الاعمال المسلحة في تحويل العراق الى عراق الظلام والذئاب الضالة . والذي لا يحتاج الى اكاديمين يصدعون رأس الجهلة بما يفقهون فالعلم والمعرفة اشد اعداء من يريد السيطرة على البشر وغسل ادمغتهم وعقولهم بخرافات واساطير ما انزل الله بها من سلطان …
فهل اصبحت المعرفة والثقافة في العراق نقمة على صاحبها ؟
وهل صار حالُ الاكاديميين ان يعيشوا في كابوس القتل لمجرد انتمائهم الى فئة المثقفين وذوي الكفاءات في بلادهم ؟
ربما يتطلب الكثير من الخيال المفرط كي يتصور المرء صورة المستقبل الكئيب لوطن مفرغ من الطاقات الابداعية والفكرية او تصور الغول الاجرامي وقد انغرست مخالبه في جسد كل من يصادفه من ذوي العقول من العراقيين الذين يشكلون راسمال العراق الجديد قتلا وتهجيرا. ان استهداف العقول والكفاءات العلمية في العراق لايندرج فقط في باب حوادث الاجرام العادي بل انها عملية منظمة ومقصودة ،ان البعض يتحدث عما يقارب الف حادثة اغتيال جرت لحد الان كما ان هؤلاء المجرمين يعرفون تماما ان اشاعة مناخ الخوف الذي تخلقه الاغتيالات والتهديدات كفيل باسكات الاصوات المعتدلة والمطلوبة في هذه المرحلة بالذات لمساعدة العراقيين على السير في نهج الديمقراطية ..
بين فضائل العزلة و فضائل الغربة ….نزيف اقتصادي و حضاري !!
و يؤكد د. ياس خضير /كاتب عراقي/ في حواره الينا أن هجرة العقول أضعفت المؤسسات العلمية والأكاديمية ومراكز البحث العلمي، وأصبحت الجامعات العربية تعاني خللا في ندرة التخصصات العلمية، وتدهورا في البحث العلمي، حيث أن معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على 0,002 بالمئة سنويا من الدخل القومي، يقابله تخلف وعجز تنموي وإخفاق علمي وتكنولوجي ومشكلات معيشية، وضعف مستوى الأجور والرواتب التي يتقاضاها الباحثون والعلماء. ولهذا السبب أدارت أعمدة الفكر والثقافة في الوطن العربي ظهورها للدولة والمجتمع، إما عن طريق البحث عن «فضائل العزلة» أوعن طريق البحث عن «فضائل الغربة»، في ظل غياب الرموز الحضارية والفكرية عن عقل صانع للقرار السياسي…
و يضيف، إن الدول العربية بحاجة إلى وضع قوانين متطورة لجذب العقول المهاجرة، وإيقاف النزيف الاقتصادي الذي تتعرض له، وإيجاد تنسيق قانوني بينها وبين المؤسسات الدولية ذات العلاقة لحماية العقول العربية المهاجرة، وحمايتها من الاستغلال غير الإنساني للشركات الدولية عابرة الحدود…
إن نزيف الهجرة يحتاج إلى خطة تنظيمية وإدارية لوقف الهجرة أو تنظيمها بالاتجاه الذي يؤدي إلى أن تكون فعالة في تطوير المجتمعات العربية، لا لتصبح عبئاً مضاعفاً على المشكلات الكثيرة التي يتعرض لها الوطن العربي. بمعنى آخر، إننا بحاجة إلى عملية تنظيم لهجرة العقول مرتبطة بحاجات المجتمع ومؤسساته، وإلى إدارة فعالة تستجيب لعملية التنظيم والتخطيط…
مشيراً الى أن الأقطار العربية تكبدت خسائر جسيمة جراء هجرة العقول بلغت (11) مليار دولار في السبعينيات، وأكثر من 200 مليار دولار في الوقت الحاضر، وهي خسارة غير منظورة في اقتصاديات هذه البلدان. ونعترف أن هجرة العقول تؤدي إلى تأمين المليارات من العملة الصعبة في البلدان الأصلية للمهاجرين، وتحسين الوضع الاجتماعي للعائلات الفقيرة، إلا أن بعد هذه الكفاءات عن مواطنها الأصلية يعني حتما توسع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتأثيرها في المخططات التنموية العربية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية….
نخرج من بيوتنا و لا نعرف ان كنا سنعود لأطفالنا أم لا!!
ويقول مازن كريم 35 سنة “الموظف في وزارة التجارة” : انه سيكون في غاية السعادة اذا حظي بفرصة عمل أو سفرة طويلة إلى الخارج. ويعزو مازن سبب هذه الرغبة إلى فقدانه الشعور بالامان وراحة البال ويوضح: “عندما نخرج من بيوتنا إلى الشارع لا نعرف ان كنا سنعود أو نكون ضمن قوائم الضحايا اليومية للسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وعمليات الخطف والاغتيال الوحشية ، انه جنون”. واضاف : انه يعلم جيداً ان العديد من المسؤولين الحاليين أو في الحكومة السابقة نقلوا عوائلهم إلى الخارج خوفا على حياتهم وكذلك فعل كبار التجار والمستثمرين العراقيين.
أما ميساء ناصر مدرسة تقول لـ ( الحقيقة ): انا اعتقد أن أي شخص يحظى بفرصة عمل أو سفر خارج العراق، لن يتردد في استثمارها وتوضح: الشعور بالامان هو الشيء الذي نفتقده أكثر من أي شيء اخر حتى من الكهرباء أو فرصة العمل.
7% من المسيحيين العراقيين هاجروا من العراق منذ سقوط النظام المباد !!
و تضيف ميرفت السعدي27 سنة: ان تيارات الجريمة المنظمة التي تقودها جماعات ارهابية، غايتها الانتقام من الشعب العراقي، استهدفت المسيحيين مثل كل فئات المجتمع حتى باتوا يشعرون بالقلق خاصة بعد تفجير عدد من الكنائس في بغداد والموصل.
وتوضح ميرفت: ان عمها وعائلته الذين يسكنون في مدينة الموصل هاجروا إلى دمشق بعد ان تعرض المسيحيون إلى القتل مثل غيرهم من ابناء العراق ، وتستدرك : المشكلة الآن ان اصحاب العقارات يرفضون عرض املاكهم للبيع بسبب التهديدات، حتى يتمكن المجرمون من الاستيلاء عليها عنوة.
وكانت احصائيات اصدرتها احدى المنظمات الانسانية العاملة في العراق، اشارت إلى ان 7% من المسيحيين العراقيين هاجروا من العراق منذ سقوط النظام المباد، وعزا التقرير اسباب استهداف المسيحيين إلى اجبارهم على مغادرة العراق.. واشار إلى وفاة واصابة أكثر من 150 مواطناً عراقيا منهم بسبب التفجيرات التي استهدفت الكنائس في بغداد والموصل وتعرضهم لعمليات القتل.
الأردن…مُضيف لرؤوس الأموال و طاردٌ للفقراء !!
كمال نجم المقيم في الاردن، يقول: بان العمال العراقيين يعانون هنا، وان معظمهم يرغبون بالعودة إلى العراق لولا عمليات الجريمة والارهاب التي يتعرض اليها البلد، واضاف كمال: برغم مرارة العمل في الاردن وصعوباته لكنه أفضل من العمل في العراق، حيث يتعرض العمال هناك إلى الذبح، متى ما امسك بهم الارهابيون…
وأوضح كمال ان العراقيين الذين يعيشون في الاردن برخاء ويمتلكون شركات ومصانع هم من المهاجرين الجدد من التجار والكفاءات العلمية واصحاب رؤوس الاموال وعدد غير قليل من ازلام النظام السابق الذين سرقوا اموال العراقيين وهربوا بها إلى هناك على حد وصفه…
و استناداً على ما سبق ، فقد أمِن الغرب من خلو العراق تماما من طاقاته العلمية وبعد تهشيم كل قواعد البنى التحتية الصناعية والعلمية ليكون مفرغا تماما ليملئ بالعناصر الموالية ولو كانت لا تنتمي الى حضيرة العلم او المعرفية الواسعة .. فالعراق الجديد والقائمين على الشأن السياسي وجدوا ضالتهم في ملء الفراغ الذي احدثه المحتل لكي يقف العراق عند نقطة الاستعانة بالمحتل في صغائر الامور او كبيراتها .. و اليوم يشهد العراق …أننا لم نتمكن من احياء اية نهضة وعلى كافة الاصعدة .. في غياب علمائنا وقفز جهالنا على مشهد الاحداث الأمر الذي اربك كل مناحي الحياة ..وتطلعنا الاحصائيات ان عدد العلماء الذين يعملون في الحقول الغربية والعربية العلمية يبلغ المائة الف عالم بين طبيب ومهندس ورائد فضاء وغيرها من الحقول العلمية الاخرى فهل من امل في عودة تلك الطاقات ….





_1617644865.jpg)



