حوارات وتحقيقات

الشاعر عامر عاصي لـ الحقيقة : نحن في عصر تسليع الثقافة والمفردة والمناصب

في عدد اليوم بصحيفة ( الحقيقة ) ضيفنا على مائدة الحوار شاعر و اعلامي عراقي ،كانت مهمته الأدبية ترتكز على المعادلة الجمالية للأشياء ،في انفتاحها على الآخر- الآخر الإنساني في عموميته- من خلال سبر العلاقات الإنسانية ضمن تفاعلاتها ، ومحاولة الالتقاء بذواتٍ إنسانية أخرى أسهمت –بطريقة أو بأخرى- في البناء الفكري و الثقافي الكبير لديه…

ضيفنا لعدد اليوم  يكتب الشعر بشقيه الشعبي والفصيح ،رسم ندوبا على وجه الذاكرة ورثى الهور بقصيدة تمتد على مساحات القصب والبردي وغنى مع مسعود العمارتلي في انثى المواويل ، ايمانا منه ان القصيدة الشعبية قادرة على ترسيخ معاني الحياة المتفوقة لشعبه وقادرة على تحطيم اوثان الفرقة والتشتت ….

يذكر أن الشاعر عامر عاصي ولد العام 1965في منطقة الكسرة على الجانب الشرقي من نهر دجلة بين الوزيرية والاعظمية. نشـأ في بيئة اجتماعية شابتها تناقضات السياسة والحياة وكانت مناخا مناسبا لدخوله عالم الثقافة والادب منذ وقت مبكر، كما يشغل حقل الاعلام حيزا في حياة الشاعر عامر عاصي من خلال عمله صحفيا ومديرا للتحرير في الصحافة المقروءة ويعد ويقدم عدة برامج ثقافية وتلفزيونية….

و على اثير الحقيقة كان لنا معه هذا اللقاء الذي يتسم بالبساطة و الرقي فأهلا و سهلا به اليوم بيننا …. 

حاورته – سناء الحافي

 
•الشاعر الكبير عامر عاصي .. نرحب بك بين أروقة جريدة الحقيقة  ، و نبدأ حوارنا معك من عمق بغداد وصولاً بك الى ( قمر أور ) في رحلة من وحي الألم و الأمل …. حدثنا عن أول ميلاد للحرف على أرضك في خضم تراكمات الحياة و قساوتها ؟ و ما هي المشارب الأدبية التي ساهمت في بلورة خطابك الأدبي؟
 ــ في المرحلة الإبتدائية من دراستي حفظت الشعر ، عريان السيد خلف والنواب والجواهري والمتنبي ، وبدأت محاولاتي الأولى في المرحلة المتوسطة مع البوادر الأولى للمراهقة التي كانت فكرية بالدرجة الأساس ، سيما وأنها كانت في نهاية السبعينيات ، ذروة التنوع العراقي وآخر فترات السلام فيه ..
•استوقفتني عبارة لك في احدى اللقاءات تشي بفلسفة ذاتية امتدادها السماء …(نرجسيتي بحجم نهر دجلة) ، من أين يستمد الشاعر عامر عاصي هذه النرجسية الهادئة؟ هل تستمدها من تجلياتك الشعرية، أم من توهج ذاتك الداخلية بوصفك انساناً متسامياً يشعر بقيمته الأدبية ؟
 ــ كانت طفولتي في منطقة ( الكسرة) والأعظمية قريبة من النهر ، فكنا أبناء البيوت الضيقة المتهالكة نلعب وندرس على ضفاف النهر ، كانت قراءاتي الأولى وأحلامي الأولى هناك ، وهناك قرأت الطبقية لأول مرة بحروف كبيرة ، وشاهدت العشاق وهم يحفرون حروفهم الأولى على الجذوع التي اقتلعتها الحرب فيما بعد ووضعت الحروف على صفائح معدنية هي كل ما عاد فيما بعد مع أشلاء العشاق السابقين . كان النهر مجرى حياتي أنا ، منحني القصص والحقيقة وكنا معا شاهدين على كل شيء ، حتى انه أصبح يمدني بروحه لأغتذي من نرجسيته الجميلة الهادئة ولكن الأبدية العصية على الذبول.
• من اصداراتك : قمر أور الذي جاء اهداؤه لابنتك مريم…حدثنا عن تجليات هذا الاصدار على قيد الفلسفة و الاستثناء؟ 
ــ جمعت في قمر أور قصائدي التي تدور في فلك الأنوثة ، الأنثى والحرب ، الأنثى والفن ، الأنثى والسياسي (الحاكم والمعارض) . كنت أشير بمريم الى كل امرأة (بلغة الأب) بوصية لا أتردد بتكرارها دائما ، أن لا تستخف بكونها امرأة أبدا بعد أن اعتادت الخذلان التاريخي (في الغالب) مذكرا إياها بأن الأنثى (إينانا) كانت أول آلهة تعبد على هذه الأرض . فضلا عن الإشارات المضمرة في قصيدة (شرقي وغربية) التي واجهت الشرقي مع الغربية والحضارة الذكورية مع حضارة الأنثى (الى حد ما) مشيرة الى عدم قدرة الغرب من حلحلة عقد اللاجيء الذي عاد بما ذهب به… 
كانت محاولة لإدانة المنظومة المفاهيمية البدوية التي أعادت وتعيد إنتاج نفسها تحت كل الظروف والمبررات والشعارات والأنظمة السياسية… 
•حصلت على عدد كبير من الجوائز و التكريمات احتفاء بمنجزك الأدبي ، برأيك ماذا أضافت لك سلسلة التكريمات و الجوائز لذاتك الانسانية أولا ثمّ الأدبية ثانيا ؟ و كيف تنظر لما تجلّى في رصيدك من مُنجز، وبأيّ عينٍ تنظر إلى القادم؟ 
ــ من لا يضيف لذاته لن تضيف له الجوائز والشهادات والتكريمات شيئا ، عليه أن يحافظ على الإنسان بداخله ولا يفرط بزاده الإنساني عبر رحلته الإنسانية المحفوفة بالشوك. ولكن ربما قدمت الجوائز شيئا على الصعيد الإعلامي وعلاقات الشاعر التي تعد جانبا مهما من جوانب تجربته الشعرية والإنسانية. ــ أما رصيدي مما كتبت فهو ماضي علي أن أنساه كلما حاولت الكتابة مجددا ، وبهذا فأنا لم أطبع مجموعتي الشعرية الوحيدة حتى الآن رغم أن ثلاث مجاميع طرحت في المكتبات. وأحاول كتابة نسق جديد بدأ يأخذ شكله النهائي في مزيج من الأشكال الشعرية.
•  الوطن و الحب و الألم … فضاء تدور في فلكه و لا تقوى على الانفصال عنه… برأيك هل التقيد بمواضيع معيّنة يفقد الشاعر لذة الحرية في الحرف و التصوير ؟
 – بالتأكيد لا يمكن أن يتقيد الشاعر بمواضيع معينة ويكتب شعرا في الوقت نفسه ، وكون الشاعر يتحدد بمنطقة معينة فلأنه يجد نفسه فيها ويتصاعد منها بخور قصائده ودخان قراه التي لا يسكنها اختيارا بل يجدها تحصيلا حاصلا لبوحه ، تفرضها عليه القصيدة وتركيبته النفسية والاجتماعية ومخياله وكثير من العوامل التي لا دخل له بأكثرها. بحيث تكون لذة احتراقه في أوجها وهو يحلق في ما يسميه الآخرون قيود الموضوع أو الشكل.
•  الواقع العراقي بما يختزله من آلام وهموم وإشكالات قد تخلق أدباً عظيماً أو قد تؤثر سلباًعلى ذائقة المبدع.. كيف تتلقى نتاج هذا الواقع، وما الأثر الأبلغ الذي أضفاه على منجزك الشعري؟ 
 –  الواقع العراقي طريق بدأت بقراءة تاريخه وعاصرته منذ طفولتي حتى الشيب وعشت في قاع المدينة وغرائبية قصصها بجمالياتها ومعاناتها ، قرأت الناس ، بائعي الصحف والمتسولين والأساتذة وبائعي السلاح ورجال السلطة والهاربين من الحرب والهاربات من منازلهن والأطباء والأدباء وباعة الدم والفنانين وصبية الورش والعوانس والمشعوذين والعلماء والسجناء وبنات الليل. وعشت مختلف الظروف وتقلبت مع هذا الواقع مشاركا لا متفرجا، فكانت قصائدي نتاجا لكل هذه الأماكن والأحداث والشخوص. الواقع العراقي ملهم جدا ، على أن نراه بعين الإنسان ومن مستواه ، لا أدنى ، ولا أعلى . ونرى الجمال فيه دائما أو نخلقه إن لم نجده . 
 • من هو المبدع برأيك..خاصة وأن هذه الكلمة أصبحت مجانية في الآونة الأخيرة لتمنح إلى كل من هبّ ودبّ.؟
 –  المبدع هو من يحدث خرقا جماليا في المألوف ، قد يكون الشرطي الذي يحتضن الإنتحاري لإنقاذ الناس ، وليس الشاعر الذي يكتب عنه بالضرورة . أو الشاعر الذي يخلق عالما بديلا لإنسان الراهن المأزوم، ولا بأس أن يكثر استخدامها إذا كان هذا الاستخدام يمنح البهجة للبعض ويكسب رضاهم (أو رضاهن) ففي النهاية نحن في عصر التسليع ، تسليع الثقافة والمفردة والمصطلح والأحكام والمناصب..
•  الشاعر عامر عاصي ..نلحظ أن الشعر الشعبي العراقي أخد مسارا مغايرا بسبب تأثر البعض بالحداثة بكل فصولها كما هو الحال بالنسبة للشعر الفصيح ، من وجهة نظرك كشاعر شعبي عراقي هل الحداثة الشعرية خدمت جودة النص الشعري أم طمست فيه هوية الموروث الشعبي الأصيل؟
 –  الحداثة في الشعر الشعبي أخذت بناصيته نحو متلقٍ أجمل ، هي تخدم جودة النص وتخلق هرما صوريا أكثر جمالا وإنسانية ، وأدنى الى العالمية . أما المحلية وتمثل الموروث في النص فلا يتعارضان مع مظاهر الحداثة في شكل ومضمون وتقنية كتابة النص. والنواب خير مثال على هضم المعطى الجمالي العالمي والمترجم ونقل روحه الى العامية العراقية . الكتابة عن الشعر الشعبي العراقي تفتقر بالذات الى بحوث متخصصة، فقد ظل هذا اللون من الشعر رغم سعة متذوقيه من العامة والمثقفين بعيدا عن الدراسات الجادة والنقد الرصين لاسباب متنوعة ودوافع لم تعد خفية.
 • من وجهة نظرك ما الأسباب وراء خلق الفجوة الكبيرة بين الناقد و الشاعر الشعبي؟ 
 –  الأكاديمية هي المفتاح لأزمة النص العامي العراقي ، فهو بلا منظومة نقدية حقيقية حتى الآن ، وما يكتب عنه هو عبارة عن قراءات يسميها البعض نصوصا نقدية ، وبما أن الجامعة لم تنتج حتى الآن نظريتها النقدية المستقلة الخاصة بالأدب الفصيح فلا ننتظر منها في الأمد المنظور نتاجا حقيقيا في الأدب الشعبي ، علما ان العامية تستحق الدراسة الأكاديمية على أكثر من صعيد ، فهي مصدر لدارسي الاجتماع والأدب والموروث والفنون وغيرها من الدراسات التي تفيد منها من قريب أو بعيد . 
 • هل أنت راض عن مستوى الشعراء الشعبيين في العراق حاليا ؟
 –  نعم ، فهم يمثلون الوعي الاجتماعي تماما ، بكل أزماته وتطلعاته وشرائحه وعقده . هم صورة الواقع تماما . بجماله وقبحه .
• الشاعر عامر عاصي … نرحل بك الى الاعلام العراقي …هل كان عادلا في حقك كشاعر و أديب يستحق الاشادة به ؟
–  الشاعر يخلق إعلامه ، قصيدته ، إدارة موهبته. الاعلام مرحلة لاحقة للكتابة ، الاعلام يراهن على الخيل الرابحة دائما ، لامشكلة لدي مع الاعلام الثقافي حتى الآن ، سيما في زمن الاعلام البديل. 
• هل هناك مشروع مستقبلي في مجال الشعر يسعى شاعرنا لتحقيقه، وكلمة توجهها للقارئ العراقي من خلال جريدتنا الحقيقة العراقية ؟ 
–  مشروعي هو الجمال ، وكلمتي للقارئ الكريم هي (اقرأ الشاعر قبل أن تقرأ الشعر). 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان