حوارات وتحقيقات

الكتابة الأدبية للطفل العراقي : قيم إنسانية و ترميم نفسي …لآثار الاحتلال !!

يعرف أدب الأطفال بأنه الكلام الجيد الذي يحدث في نفوس الأطفال فنه ،سواء أكان شعراً أم نثراً، وسواء كان تعبيراً شفهياً أم تحريرياً، ويدخل في هذا المفهوم قصص الأطفال ومسرحياتهم وأناشيدهم. ويقول آخرون أن أدب الأطفال هو كل خبرة لغوية ممتعة وسارة لها شكل فني يمر بها الطفل ويتفاعل معها فتساعد على إرهاف حسه الفني ويعمل على السمو بذوقه، ونموه المتكامل وتساهم في بناء شخصيته، وتحديد هويته، وتعليمه فن الحياة..

وفي ضوء النظرية الأدبية الحديثة فقد نعتبره :تشكيلا لغويا فنيا ينتمي لنوع أدبي سواء أكان قصة أم شعراً مسرحياً أم شعراً غنائياً يقدمه الكاتب تقديماً جيداً في إطار متصل بطبيعة الأدب ووظيفته اتصالاً وثيقاً ويتفق وعالم الطفولة اتفاقاً عميقاً،والأدب بهذا المفهوم يجب أن يراعي خصائص الطفولة ويتدرج بها إلى الكمال عن طريق إشباع احتياجاتهم في إطار المثل والقيم والنماذج والانطباعات السليمة…

تحقيق/ سناء الحافي

و عليه فأن «أدب الأطفال « في مجموعه هو الآثار الفنية التي تصور أفكاراً واحساسات وأخيلة تتفق ومدارك الأطفال، وتتخذ أشكالاً متعددة، كالقصة، والشعر المسرحي، والمقالة، والأغنية وغيرها وتكون قائمة على معايير أخلاقية، ودينية، واجتماعية، لا تنفصل عن المعايير الفنية، لأن الأدب هو التعبير عن حضارة الإنسان، والحضارة التي لا تقوم على قيم دينية وأخلاقية، حضارة عرجاء تحكم على نفسها بالإنهيار مهما بلغت من الرقي المادي….

غزتنا الفضائيات بمسلسلات العنف التي ينشد اليها اطفالنا !! 

و في حديث لـ الحقيقة ، يرى د.شفيق مهدي/ كاتب قصص أطفال / أن أدب الاطفال  يختلف عن غيره من الاداب، بسبب اختلاف مستوى وعمر وتوجه المتلقي، في ادب الاطفال المتلقي هو الطفل، ومفردات الطفل مقيدة ومحدودة، لذا ينبغي ان يخاطب وفق مفرداته ولا مانع ان اضفنا له مفردات قليلة جديدة، يفهمها من سياق القصة او الموضوع، ولا افضل الشرح في هذه الحالة . فهو اذن ادب غير سهل يوجب عليك ان تعيش المخاطب، بأرائه ولغته ومقدار فهمه وتلقيه ما ستكتبه اليه، هنا تكمن الصعوبة…

و يتابع قائلا : غزتنا الفضائيات، وانتشرت في كل بيت، وازعجنا، مشاهدوها من اطفالنا بمشاهدتها من «فتيات القوة» الى «بن تن» وغيرها من مسلسلات العنف التي ينشد اليها اطفالنا! انها مسلسلات البطولة الفردية والقتل والدمار وغير ذلك…

ومع كل هذا الغزو الفضائي، فأن الطفل يمكن ان يقرأ، هناك فضائيات تصدر مجلات لبرامجها وابطال مسلسلاتها مثل «سبيستون» نحن يمكن ان ننتج كتبا مصورة ذات كلمات قليلة، او حتى خالية من اية كلمة برسوم جميلة ملونة ونقدمها لفلذات اكبادنا، ويمكن ان نرسم لهم الصور التي يحبونها، المهم ان نجعلهم اولا يقبلون «صداقة الكتاب» فان صار صديقهم، فلا اظن انهم سيفارقونه…

مشيرا  الى أن العناية بثقافة الاطفال تكاد ان تكون معدومة تماما، لقد كتبت في ذلك مرارا وتكرارا ولكن لم يسمعني احد! ستنقرض «دار ثقافة الاطفال»، ان ظل هذا الاهمال لها… حيث كانت دار ثقافة الاطفال هي الابرز عربيا بل ان بعض الدول الاوربية قد اتصلت بنا لشراء حقوق طبع بعض الكتب، من ذلك «دار لافابين» الفرنسية، التي طلبت شراء حقوق كتاب «الطاقة الشمسية» اما الان، فقد آلت حال ودار ثقافة الاطفال الى ما لا تحسد عليه، ابتعاد الكتاب والفنانين وغيرهم عنها وعدم ظهور جيل جديد، لقلة التخصيصات المالية…

نفسية الطفل العراقي بعد الاحتلال … مدمّرة و تحتاج لأقلامنا !! 

و يؤكد الكاتب جاسم محمد صالح أن الكتابة الأدبية للطفل هي  الوسيلة الأكثر أهمية في بناء الطفل وصولا إلى بناء الإنسان العراقي المتمسك بأرضه والمدافع عن وطنه حاضرا… ومستقبلا؟ الكتابة للأطفال مسؤولية ومساهمة كبيرة وخطرة في بناء الوطن وتوجيه أبنائه الوجهة الصحيحة التي تجعل منهم أدوات فاعلة وبناءة في تثبيت أركان المجتمع وتقوية أسسه…

و أضاف قائلا : من اجل وطني تشرفت أن أكون الكاتب العراقي الوحيد في مجال أدب الطفل الذي فضح جرائم المحتل الأمريكي وما ألحقه من بؤس ودمار في نفسية الطفل العراقي، الجرائم البشعة للاحتلال صورتها في قصص كثيرة كتبتها للأطفال ففي قصة (الطفلة الشهيدة) كانت جريمة الأمريكان في قتل الطفل العراقية (زهراء هاشم) وقصة (الطفلة المجنونة) وقصة (الكابوس) وقصة (الأشجار تورق من جديد) وقصة (الحقل الأخضر) وقصة (شجرة التفاح) كلها أدانت وبشكل مباشر الاحتلال الأمريكي وفضحت جرائمه البشعة ضد الإنسان العراقي عموما والطفل العراقي خصوصا، وقد ترجمت هذه القصص إلى اللغات الأجنبية ونشرتها في المواقع الالكترونية في مختلف أنحاء العالم وأوصلتها إلى كل المؤسسات الإنسانية التي تهتم بالطفولة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان. همي الوحيد في الوقت الحاضر هو فضح جرائم الاحتلال الأمريكي لوطني، وتمنيت أن يشاركني في مهمتي هذه كتاب الطفل الآخرين لكن لم يفعلوا ذلك إما خوفا أو استفادة من المحتل ومؤسساته الإعلامية والصحفية العاملة في العراق تحت كثير من التسميات…

الطفل في العراق لن يتحسن إذا لم يتحسن وضع العراق…!!

أما القاص طلال حسن ،الذي يعتبر عميدا للكتابة الأدبية للطفل ،يقول في حديثه:حبي للطفولة، ومعايشتي للأطفال من خلال عملي كمعلم، وشعوري بأني أستطيع أن أعبر عما أريده، من خلال أدب الأطفال، أكثر من أدب الكبار، كل هذا وغيره جعلني أركز على أدب الأطفال، لكني لم أهجر تماما أدب الكبار، فما زلت أكتب وأنشر للكبار قصصا قصيرة ومسرحيات، وسأواصل ذلك.

و تابع  : يبدو أن لي قدرا من الموهبة للكتابة للأطفال، لكن ما صنع مني أديبا إلى جانب المبدعين الكبار في هذا المجال، هو عملي اليومي المستمر، وتعلمي من كبار الكتاب العرب والأجانب، وفي مقدمتهم ايسوب اليوناني، وكريلوف الروسي، والكتاب الإنسانيين السوفيت ومتابعتي المستمرة لتراث الإنسان في كل زمان ومكان..

مشيرا الى أنه : منذ عقود وعقود، والشعب العراقي يعاني من أوضاعه السياسية والاقتصادية والثقافية، وفي المقدمة بين شرائح الشعب، حلقته الأضعف: الطفل، ولا شك أن وضع الطفل في العراق لن يتحسن إذا لم يتحسن وضع العراق، ويقف معافى في بداية طريق التقدم، وإلى أن يأتي هذا اليوم، والذي أتمنى أن لا يكون بعيدا، فعلى وزارة الثقافة أن تولي ثقافة الأطفال اهتماما جديا، وترصد لأنشطتها المختلفة ما يمكنها من تقديم ما يستحقه الأطفال وما يحتاجونه في مجال الثقافة.  حيث خلال هذه العقود الأربعة، التي انغمست خلالها في مجال أدب الأطفال، عرفت الكثير من الأدباء والفنانين، يأتي في مقدمتهم الراحل الكبير مؤيد نعمة والفنان المبدع نبيل يعقوب والفنانة الكبيرة انطلاق محمد علي والمبدع الغائب المتغرب، الذي رسم لي بشكل رائع كتابي الأول «الحمامة»، العام 1976، إنه المبدع صلاح جياد، كما عرفت من الفنانين وباعتزاز طالب مكي وعبد الرحيم ياسر ومنصور البكري وهناء مال الله، أما أبرز الكتاب الذين عرفتهم فهم مالك المطلبي وفاروق يوسف وفاروق سلوم والساحر شفيق مهدي وحسن موسى وزهير رسام، وكذلك الشعراء المبدعين جليل خزعل ومحمد جبار حسن وكفاح عباس وغيرهم كثير.

الموهبة شرط أساسي في الكتابة الأدبية للأطفال..!!

و يضيف الكاتب بشير خلف ، أنّ الكتابة في أدب الطفل علم وفن يستندان إلى ثقافة غزيرة وواسعة وإلمام كاف بعالم الطفل ، و إذا كانت الكاتبة اللبنانية غادة السمان تعلن صراحة و دون لفٍّ وهي مَن هي أنها عاجزة عن الكتابة للطفل ، وتفتقد الموهبة في ذلك مضيفة هي أن الكاتب المسرحي الكبير شكسبير بدوره يفتقد هذه الموهبة، فإنها بالرغم من ذلك لا تقف عند توفر الموهبة فحسب ولكنها تضيف شروطا أخرى لا تقل شأنا و أهمية عن الموهبة و هي كالتالي:

ـ الموهبة شرط أساسي: 

ـ الثقافة الواسعة: التي في اعتقادنا لا تنحصر في الدراسات العليا و الواسعة عن الطفل و التي تتطلب من كاتب الأطفال الإطلاع عليها و الاستفادة منها كما ترى غادة السمان. بل من اللازم الإحاطة الواسعة بالعلوم الإنسانية و الاجتماعية و الاستفادة من المعارف و العلوم المعاصرة و تتبع التطورات العلمية و التكنولوجية الحديثة، حتى يكون الإبداع و المنتوج الأدبي متطورا و مسايرا لواقع الطفل ، مطلعا على التراث الإنساني إطلاعا واسعا ، ودارسا لتراث أمته ، ساعيا على تنقيته و غربلته و توظيف ما هو إيجابي منه..

ـ معرفة الجمهور الذي يخاطبه الكاتب ـ أي جمهور الأطفال ـ معرفة حميمية بناء على المعايشة والملاحظة الطويلة و  المستمرة…

ظاهرة … التهافت على الكتابة للأطفال  !!

من جانبه ،صرّح الكاتب حبيب  بولس ،في هذا الشأن: نجد فعلا اليوم عددا لا بأس به من القصص التي كتبتها أقلام محلية. ونظرة خاطفة إلى معظم ما نشر من هذه القصص تشي بأن معظمها لم يوفّق في الوصول الى المستوى المطلوب. وذلك يعود لجملة من الأسباب، سنأتي عليها لاحقا. صحيح ان هذا الانتاج جاء ليسد فراغا كبيرا، لذلك كتب على عجل، وصحيح ايضا ان بعضه اصاب بعض التوفيق. لكن هناك العديد من الاشياء التي يمكن ان تقال في هذا المجال. اما بالنسبة للامر الثاني فقد بتنا نشهد اليوم تهافتا من قبل الادباء المحليين على الكتابة للاطفال الأمر الذي يجعلنا نتساءل بصوت مرتفع: لماذا وما الدافع؟ وهل كل من يكتب للكبار يستطيع الكتابة للصغار أم أن الأمر يتطلب معرفة ودراسة ودراية وتدريبا…

و يضيف قائلا : في عصر كعصرنا نجد ان اطفالنا يتعرضون يوميا للخطر والتشويه في عالم التكنولوجيا. فاطفالنا مهددون دائما، لذلك تاتي اهمية الكتابة لهم بطريقة صحيحة، فهم بحاجة اليوم اكثر من ذي قبل الى كاتب مبدع يخرج ما يكتبه من مادة الحياة نفسها، ومن مخزونها بعد ان يتفاعل بروحه وعواطفه. لكن الموهبة وحدها لا تكفي بل تحتاج الى رصيد من التجارب والخبرات والمعرفة التي تصقلها وتدربها، لذلك نجاح كاتب الاطفال مرهون بمقومات عديدة يلخصها عدد من الباحثين بما يلي.

–  الافادة من تراث غني ورصيد ضخم من خبرات البشرية.

– ذكريات الطفولة

–  سهولة اللغة والصدق والامانة.

–  التزود بالدراسات الادبية و النفسية.

–  الاهتمام كما لو انه يكتب للكبار

بناء على ما تقدم تصبح غاية ادب الاطفال ليس اذكاء الخيال فقط ولكنها تتعداه الى تزويدهم بالمعلومات العلمية والنظم السياسية والتقاليد الاجتماعية والعواطف الدينية والوطنية وتوسيع قاموس اللغة عندهم ومدهم بعادة التفكير المنظم ووصلهم بركب الثقافة والحضارة من حولهم في اطار مشوق ممتع واسلوب سهل جميل.  وهكذا يصبح ادب الاطفال وسيلة من وسائل التعليم والمشاركة والتسلية وسبيلا الى التعايش الانساني بطريق معرفة السلوك المحمود واداة لتكوين العواطف السليمة للاطفال واسلوبا يكشف به الطفل عن مواطن الصواب والخطأ في المجتمع. 

و عليه … فإن مهمة الاديب الذي يلج حقل الكتابة للاطفال لا تقف عند العرض والكشف بل مهمته تقوية ايمان الطفل بكل الايجابيات وحتى لا يخدع الطفل عليه ان يصور الخير والشر والظلم والاستغلال كما هي في المجتمع. وكل ما ذكر يؤدي الى مقولة تقول: ان أدب الأطفال ليس عرضا للاخبار وليس للتسلية وقتل الوقت، بل ان مهمة هذا الأدب هي تقديم تجارب البشرية من خلال المتعة والسرور، وتنمية الاحساس بجمال الكلمة وقوة تأثيرها وفهم التطور البشري بطريقة أفضل والكشف عن سر الجمال والحقيقة وتهيئة الطفل بالتالي لان يقبل الحياة كما هي وان يعيشها الى أبعد أعماقها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان