علي علي
ونحن نعيش لج الأمواج العاتية من الدعايات الانتخابية عن كثب، تتنوع أمام أعيننا وعلى مسامعنا أشكال وأنغام الترويج والتدليل على الشخوص المرشحين، ويشمل البهرج الفتان هذا أعمال المرشح وأفعاله، الماضية منها والموعودة مستقبلا، فيما لو حقق أكبر أصوات تؤيده وتفضله على غيره من المرشحين. وهو أمر هين في زمننا هذا، إذ أن وسائل الإعلان والترويج اليوم باتت بمتناول يد المرشح، بكل زخارفها الصحفية والإذاعية والتلفزيونية والإلكترونية، وهذا مايروج سوقه ويزيد من مساحة ناخبيه عددا ورقما لصالحه. أذكر طرفة لها مغزى أظنه قريبا كل القرب لما أتحدث عنه. إذ يحكى ان الأسمر قال للأبيض -في محاولة للانتقاص من جاذبية ذوي البشرة البيضاء-: (كل الشعراء والمغنين يتغنون بالأسمر.. ويتغزلون بمحاسنه.. ويتشببون بخفة دمه.. ويستعذبون ظرفه وحلاوته، أما الأبيض فلا أحد يذكر من محاسنه شيئا) فرد عليها الأبيض: (ذلك لأن الأبيض لايحتاج ترويجا ودعاية)..
هي طرفة قد يتخذ منها ذوو البشرة السمراء مؤهلا لاعتلاء منصة التفضيل وسط جماعتهم، مقابل هذا يستند اليها الأبيض لتبرير اعتلاء الأول تلك المنصة، في حين أن أولوية التفضيل له حسب ظنه. وفي كلا الحالتين الإثنان موهومان في تصورهما، إذ ان الأفضلية لاتقاس وفق مقياس ضيق كلون البشرة، فهناك من هو أفضل بمقومات ومؤهلات أخرى، لاتمت الى المظهر والمنظر بصلة، بل يؤخذ الجوهر والمخبر بعين الاعتبار، وعليهما يعول وضع المرء في ميزان الأفضلية.
وبما أن سباق الانتخابات اليوم لا يدخل جمال الظاهر من ضمن شروط المتقدم له، واتخاذه وسيلة للترويج يعد ضحكا على ذقون الناخبين وخدعة لاتغتفر، لذا على المرشح المتسابق توخي شروط أخرى غير ظاهرة، يلمسها الناخب بعد حين في يوميات حياته وتفاصيلها، تلك الشروط هي التي ستكون من مقومات فوزه بالنتيجة النهائية. وقطعا لن يكون هذا بسهولة الإعلان والترويج والدعاية، إذ هو يتطلب -أول مايتطلب- المصداقية فيما يرد في الإعلان من تعريف وتوصيف، وأهم من هذا.. المصداقية في الوعود والوفاء بها، وكذلك تنفيذ العهود وعدم نقضها. وقد يكون الحديث عن المرشح اليوم لايجدي نفعا، بعد ان أصبحت صناديق الاقتراع على مرمى من أصابعنا، لكن الحديث عن الناخب هو المجدي وهو الأهم، ذلك ان الناخب هو من يتحمل سوء اختياره ان حصل لبس في الانتقاء، وعليه وحده تقع مردودات الاختيارالخاطئ.
إن المساحة الإعلانية للمرشح أخذت أبعادها طولا وعرضا كما شاء، كذلك مساحة نقد المواطن اتسعت عند بعض المرشحين وانحسرت عند آخرين، إلا ان الأمر كله حتى اللحظة لايتعدى التخمين والحدس من جانب الناخبين، إذ أن أغلبهم لايتوانى عن استشارة صديق او جار او حتى مستطرق في سبيله، مستفسرا عمن سينتخب!، إذ هو بأمس الحاجة الى وضع إصبعه على الجرح الغائر في جسد بلده، الذي نزف طيلة عقود بفعل نظام متعسف، ثم استمر نزفه بعد زوال النظام، ومن غير المعقول ان يستمر النزف من دون توقف.
كل هذه المعاناة ولدت لدى المواطن الحاجة الماسة للوصول الى الاختيار السليم، وهذا قطعا لن يأتي بالألقاب الرنانة والصور الـ (High Quality) التي ملأت الشوارع والتقاطعات وواجهات البنايات، إنما هي كما قال الأبيض لصاحبنا الأسمر: (الأبيض لايحتاج الى دعاية).





