علي علي
منذ أربعة آلاف عام ووادي الرافدين بساط أخضر.. عطاء.. مدرار.. أطلق على أرضه أرض السواد لكثرة زرعها، وتنوع ماتطرحه من ثمار على مدار السنة من دونما انقطاع، وماذاك إلا لتعدد مصادر المياه بين أمطار وأهوار ومياه جوفية، فضلا عن دجلته وفراته، الممتدين برشاقة يغدقان الجبال والهضاب والصحارى والسهول بما جعل الله منه كل شيء حي، فيزدهر به الزرع ويرتوي الضرع. وبذا من الفترض ان يكون خليفة الله في هذه الرقعة من الأرض، مخصوصا بالعيش الرغيد ومتنعما بالحياة المرفهة. ولكن واقع الحال يبعد كل البعد عن هذه الافتراضية، وسكان وادي الرافدين ينأون كل النأي عن الحد الأدنى من الهناء والدعة والطمأنينة، بل هم يعلّون كأس الفقر والفاقة والعوز علا، ويعبّون من قدح الضيم والظلم وشظف العيش عبّا، فيما ينهل سلاطينهم وحكامهم وأولي أمرهم من القدح المعلى، ويرفلون في النعيم والحرير والزبرجد والسندس.
اليوم في غرة شهر أيار من القرن الواحد وعشرين، خرجنا نحن العراقيون للتو من عملية انتخاب وانتقاء واصطفاء، من المفترض ان تعطي أكلها وتسفر عن تغيير واقع بلاد الرافدين، الموشح بالسواد منذ أربعة عقود، وقطعا هذا لن يأتي تلقائيا او عفويا او كما نقول؛ (عثرة بدفرة)، بل سيتحتم على الناخب والفائز المشاركة في البناء لبنة لبنة. وقد يقول قائل: وماذا بعد الانتخابات؟! فالكرة ستكون في ساحة المرشح الفائز، وهو أمر معمول به في حالتي كون الفائز أهلا للمسؤولية الملقاة على عاتقه أو العكس، إذ يعتمد مقياس تقدم البلد بمفاصله على أداء الفائز دوره من خلال منصبه، وهذا ما اعتمد عليه الناخب في حدسه وتخمينه يوم توجه الى صندوق الاقتراع. أما لو خيب ذاك الفائز ظنون ناخبيه، وقلب لهم ظهر المجن، وتقنع بوجه (چينكو) فالحال حينها لن يكون بأفضل من سابقه، بل أسوأ بكثير. لكن هذه المرة هناك أمر مختلف، على الفائز وضع ألف حساب له، هو أن الناخب لُدِغ من جحر مرتين خلال السنوات الثماني الماضية، ومن غير المعقول أن يلدغ مرة ثالثة. فقد بات المواطن يفقه كل صغيرة وكبيرة من ألاعيب رؤساء الكتل وأعضائها، كذلك لم تعد تنطلي عليه أحاجيج نائب برلماني -او حتى رئيسه- في حال زاغ عن الحق، او راغ في أداء مامناط به من واجبات تجاه البلاد والعباد.
صحيح أن الكرة الآن في ساحة المرشح الفائز بالانتخابات، إلا أن إساءة التصرف والخروج عن الإدارة السليمة، واجترار مفردات الفساد والتواطؤ والتحايل والتسويف وغيرها من تركات البرلمان في دورتيه السابقتين، لايمكن أن تكرر ثالثة وتجد لها مكانا بين الفائزين الجدد، إن كانوا صادقين فيما طرحوه واستعرضوه طيلة شهر نيسان الماضي، من وعود وعهود وبرامج وخطط ومناهج. وفي حال حدوث أمر كهذا على المواطن هذه المرة أن ينتزع الكرة من ساحة المتسببين به، ويخلع عنهم منصبهم بما جنت أنفسهم، ومحاسبتهم عاجلا وليس آجلا، وليردد بعدها السيئون والمسيؤون بيت ابن زريق البغدادي حين قال:
أعطيتُ ملكا لم أحسن سياسته
وكذاك من لايسوس الملك يُخلعه





