اراء وأفكار

لسنا كما كُنا

زينب المشاط

 

في احد ايام شهر نيسان الماضي وبعد أن قبّلت شمسه جبيني بقبلةٍ حارقة كادت تجعلني رمادا، لولا أن أُذكرها بأنها ليست كما كانت..

أعلمُ إنها عاتبةُ عليَّ، فأنا التي إنتقدتُها بقولي الذي كان يحملُ بين طياتهِ شيئاً من الصرامة، حين اخبرتها بأنها ليست كما كانت، ليست شمسَ بلادي في شهر نيسان تلك التي تُشرقُ بشيءٍ من الخجل، وتُمارس جنونها بحياء وتلهو كطفلةٍ عابثة، تلك التي كانت تحملُ مشاعر أُمٍ دافئة، ما بالها اليوم تتصرفُ بعُهرٍ يحرق أجساد من يمرّ تحتها! وليست شمس نيسان وحدها ماعادت كما هي، فهي كانت بابًا استوقفني ليفتحَ معهُ ألف بابٍ اخر، حتى الشوارع تلك التي باتت تزينها (تُزبلها) لافتاتٌ مبالغٌ بنشرها هنا وهناك، أغلبها تعودُ لمخالفة من وضعها ما يثير اشمئزازي، أو تأسرُها اكوام من الحطامِ والازبال، تحت شعار ابناء وطني (هي نظافة الشارع متوقفه عليه؟) نعم إن نظافة ارضنا تتوقف على كلٍّ منا، فهي مقياس لنظافة قلوبنا وضمائرنا، أم إن ضمائرنا باتت مركونة وقلوبنا مهجورة لايسكنها سوى أعشاش العناكب وبعض الغبار، حتى السماء تلك التي كُنا نراقبها بصفاء الربيع وجماله، ونقاء الصيف وحرقته وتَلبد الغيوم في الشتاء، لقد اختبأت ملامح الفصول تحت اسلاك الكهرباء (الخاصة بمولدات السحب) فما عادت السماء كما هي، وذلك العطرُ البغدادي القديم، أذكر إن لبغداد عطراً خاصاً بها في كل طقس كان لها عطر، كما إنها كانت تستخدم عطراً خاصاً حين يغادرها طقسٌ ليجيء الاخر، وكان ليوم الجمعة في بغداد أيضاً عطر خاص، ممزوجٌ بصوت الله أكبر النابع من المآذن، وبقدور النساء اللاتي يحضّرن اشهى انواع الاطعمة، وبخبز التنور العراقي الذي يحملُ رائحة التنور ظهيرة الجمعة، حتى عطر بلادي ماعاد كما هو.

لسنا كما كُنّا ماعاد العشقُ نقياً كما كان، ولا المودّة تسكنُ قلوبنا ببساطةٍ كما كُنّا، ماعادت جدتي هنا بعد اليوم لِيُناديها جميعُ ابناء الحيّ (جدتي) لتُخيط لهم اجمل الاثواب، ويعالجون بين يديها أوجاعهم، لقد فقدنا عطر بساطتنا ونكهةَ ودٍّ نقيٍّ يسكُن قلوبنا، لقد فقدت سماء ليلنا نجومها الكثيفة، ليصبح ذلك الليل موحشاً، ويفقدُ اللبانون دربهم بعد أن فرغت أكياسهم من فُتاتها، ماعادت حديقةُ جدي تُزهر بورد الجوري الاحمر، ولا مساؤنا يغمرهُ عطر الشبوي الذي كان يزور اطراف حينا، حتى فساتيني فقدت شهيتها الى جسدي، وأنا لستُ كما أنا انطفأت بداخلي شعلةُ طفلةٍ اضعتها يوماً، ومازلت ابحثُ عنها في عيون المارة، لقد دفنا براءتنا وصدقنا وبساطتنا وانسانيتنا تحت حُطام وجعٍ استقبلناهُ بصدرٍ رحب، فنسينا من نكون ولم نعد كما كنا.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان