حيدر الحمد
نيسان رمز العطاء والخير، لإطلالته أثر في نفوس الجميع، تحمِلُ أيامه بشائر الخير والفرح، ولهُ في نفسي وقعٌ خاص، شهر جميل حتى في كذبته التي لا تخلو من الدعابة والمرح، وان كان مفهومها قد فقد معناه الحقيقي في ظل الحالة التي يعيشُها المجتمع والتي يغلب عليها هذا الطابع، لكنه رغم ذلك بقي مُحتفظاً بخصوصيته عن سائر شهور السنة. هذا العام جاءت إطلالته مختلفة تماماً، فما أن بزغت شمس صباحه حتى تكشفت عن منظر مُريع، كذبة أكبر من أن تُصدق أو شيئاً أبشع من أن يكون كذبة. تِلال من النفايات المُتناثرة، والملتصقة بالجدران وأعمدة الإنارة في كُل الطُرُقات، تحمل في طياتها صور المهرولين نحو السلطة، الحالمون بنهب أموال هذا الشعب، عكس الكثير منها ملامح خُبث أصحابها ومشاريعهم، وزيف شعاراتهم، بعد أن باتوا مفضوحين منهجاً وسلوكاً ومنطِقا، الغريب أن تجد بين هذا الكم المتناثر من الابتذال صورا لبرلمانين سابقين، مستترين خلف ذات الشعارات و الوعود التي مكنتهم من الوصول لما هم عليه بعد أن صدقهم الناس وآمنوا بهم أكثر مما آمنوا هم بأنفسهم، فكانت النتيجة المخيبة للآمال، الفشل الذريع في تحقيق النزر اليسير من تلك الوعود، بل العكس فقد عملوا على استغلال مناصبهم أسوأ استغلال لتحقيق مصالحهم ومنافعهم الشخصية على حساب بؤس هذا الشعب، منتهكين حقوقه تحت مِظلة الديمقراطية، فحق القول عليهم بأنهم لا يستحون، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت!!. كم تمنيت في الصباح التالي أن لا أُبصر أياً من تلك الرِمم، التي شوهت منظر المدينة، فسلبتها ما تبقى من روح جميلة تحملها، تمنيت أن يكونوا ككذبة نيسان التي سرعان ما تتلاشى مع غروب شمس يومه الأول، لكن ذهبت أمنياتي أدراج الرياح أمام إصرارهم على سلب المدينة رونقها. لقد أفسدوا علينا إطلالة نيسان وفرحته، لكنه لم يتوان عن إبداء رأيه الصريح بهم، فهبت رياحه العاتية في اليوم التالي لتقتلع أشكالهم وتذرها في الطرُقات تحت أقدام الناس، وهطلت أمطاره لتُزيل زيف الأقنعة وتمحو طلاء الخديعة الذي اصطبغت وجوههم به، وبقيت أقلب الأفكار في ذهني لأطلق أنا أيضاً رأيي الذي آمل أن لا يكون أقل جُرأة من رأي نيسان الشًجاع. وأنا أُتصفح لوحات الدعايات وما تحمله من شعارات مكررة وعارية عن الصحة ومستحيلة، لا لأنها صعبة التطبيق بل لأنها لا تتناسب وحاملها، فالثاني أصغر بكثير حتى من أدراك وفهم معناها الحقيقي، لا تحويلها الى تطبيق واقعي !!. فاستذكرتُ مقولة سمعتها ( اكذب اكذب حتى يُصدقُك الناس ). بالفعل قد يصدقك الكثير، وهذه مشكلة، ولكن المشكلة الأكبر أن تُصدق نفسك !!. مع يقينك أنها ليست الحقيقة. هُنا وقعت الكارثة، كيف صدق هؤلاء أنفُسهم بأنهم القادة المثاليين لهذا الشعب، وأنهم وحدهم من يملكون الحل الأمثل لتخليصه مما هو فيه من وضعٍ مُترد، إنهم لا يدركون أن لا أزمة لهذا الشعب أكبر من أزمة اعتلائِهم السلطة، وأنهُ لم يُنكب يوماً بشيء كما نُكب بِهم، حين وقفوا تحت خيمة الوطنية حتى نالوا مآربهم، فأخرجوا ما خبأوا تحت عباءتهم من أكياس ينفضون منها أصوات الجماهير، ليملأوها من خزانة الوطن وأموال الشعب !!. في كُل دورة انتخابية يعودون بذات الكذب، ألم يسأل أحد نفسه لمرة، لماذا لم يستطيعوا تحقيق ما وعدوا، أو ما كُنا نحلم بِه ؟. هل لأنه مُستحيل ؟. كلا، لا لأنهُ كذلك، بل لأنهم فاشلون !!. ولأنهم لا يدركون ذلك تصوروا أنهم غير مسؤولين عن هذا الفشل، عاجزين حتى عن أدراك حقيقتهم وإمكاناتهم !!. ليس غريباً أن يعودوا بنفس الأسلوب ونفس الشعارات، فهذا كُل ما يملكون، الغريب أن يواجهوا من قبل البعض بنفس البلادة فيصدقونهم ويتناسون ما كان من أخطائِهم، وما نحن عليه من سوء حال في كُل شيء. لستُ ذا اتجاهٍ أو ميول سياسي معين، لكني وقفت هذه المرة مذهولاً أمام غرابة الشعارات التي تبنتها الحملات الدعائية للكتل والمرشحين لخوض الانتخابات التشريعية، ناهيك عن بعض الأسماء والشخصيات المُشاركة فيها والتي لا أعلم على أي أساس استندت لتصديها لمثل المهمة. وسأستثني بعض الطرق الغريبة التي حاول البعض التسويق لنفسه من خلالها نظراً لسذاجة فكرتها ولأنها بلغت من السخرية ما جعلها أضحوكة لدى الشارع، كمن أخذ يُقدم وجبة طعام بسيطة،ويبدو أنها كل همه، معتقداً بأنها طُعم جيد لاصطياد أصوات الفقراء، متناسياً مقولة (من كان همه بطنه كانت قيمته ما خرج مِنها)!. وآخر أوهمته ظنونه بأنه قد تلقى أمراً من رمز ديني ليتصدى لهذا الأمر وأنه لولا ذلك لكان زاهداً بالسلطة ومغرياتها، فتلك محاولات فردية لأشخاص لا تتعدى حدود تفكيرهم ان يكون لها بالغ الأثر. لكن الأمر مختلف عندما تتبنى الكتل الكبيرة شعارات تستوجب الوقوف عندها لتناولها بموضوعية من حيث المعنى والواقع، هذا بعضها ولك حرية التفسير والتصديق أن حظيت لديك بشيء منه. (معاً نبني العراق) أحد أكبر الشعارات وأكثرها انتشاراً، اتخذته كتلة مكثت في الحكم ثمانيِ سنين متصلة، وأكتفي بطرح سؤال واحد، ماذا كنت تفعل طيلة هذه الفترة ؟. وحسبُك أن ترى بنفسك ما عليه البلد من خراب وحالة مزرية في كُل الميادين.. كُتلةٌ أُخرى ترفع شِعار (نتشارك لنبني) و ( كُنا.. وسنبقى معكم ). ولك كُل الحق في أن تُبدي استغرابك نتشارك بماذا ؟!!. وكيف يكون شكل هذه الشراكة ؟. وكيف لك أن تدعي أنك كُنت معنا !!. شعار آخر لن أقف عنده كثيراً فربما لم أفهمه لصعوبته أو لضيق فهمي !. هو شعار (المواطن ينتصر) ينتصر لماذا؟!. وعلى منّ ؟!!. لكرامته !، لحقوقه !، لأي شيء، وكل ما لديه ضاع. ينتصر على من ؟؟. على من حرمه وسلبه كل ذلك!!. فقد يئس ولا أمل يُبصِرُه. شعار رنان آخر هو (الإصلاح هدفُنا) إصلاح من ؟!! الشعب أم الحكومة ؟!. فلا شيء يحتاج الإصلاح أكثر من الحكومة وما تعانيه من تخبط بل و انعدام للرؤيا وفساد يعيي العقل تصوره، وأنتم من تقِفون على رأس هذه السلطة، لذا كان من الأجدر أصلاح أنفسكم!!. كتلة أخرى ترفع شعار ( للعراق ولاؤُنا ) مع أن مُعظم المنضوين تحت لوائها في الدورة السابقة ثبُت ضلوعهم في عمليات إرهابية لطخت أيديهم بدماء العراقيين، لا أعرف عن أي ولاءٍ يتحدثون، و أي بناءٍ يقصدون !!. مفردة أتُفق على استخدامها من قبل جميع الكُتل والأشخاص من ذكرت ومن لم أذكر هي مفردة ( البناء ) وأن دل ذلك فإنما يدل على اعتراف الجميع بحالة الخراب التي نحنُ والبلد عليها !!. وحالة تقاسموها أيضاً دون استثناء هي حالة الفشل، فالسابقون كان فشلهم واضحاً. ولا أود أن أكون مُتشائماً بخصوص القادمين الجدد، لكن المكان يعرف بعنوانه، مع خالص احترامي وتقديري للقلة القليلة من ذوي الكفاءة والشخصيات المحترمة.. فكرة بليدة أن تستبدل السارق بآخر كل فترة من الزمن !. وغريب أن لا يكتفي السارق بما نهبه بل ولا يخشى عقوبة جرمه، أو يستحي منه، فراح يزاحم فاشلي الحاضر، ولصوص المستقبل ليجد لنفسه مكاناً بينهم !. يتعاملون مع الناس وكأنهم نيام يغطون في سُباتٍ طويل، وكلما حان دورهم للتصويت أيقظوهم ليقصوا عليهم بعض الحكايات، التي تُساعدهم على رؤية الأحلام الجميلة التي يحتاجونها في سُباتهم القادم، كي لا يكون النوم مُزعجاً. الآن فقط أستطيع ترديد قول الكبير مظفر النواب (جائِفين تُغلِقوا الأنوفُ مِنكمُ الرمم …. أيّ تفواً على أول من فيها الى آخر من فيها …).









