كتاب الحقيقة

الموازنة يرحمكم الله

كريم السيد

متأبطا فايلا أخضر اللون, تبدو من خلاله ملامح اوراق ووثائق يجوب بها الوزارات والدوائر الحكومية بحثا عن وظيفة تقطع نزاعه مع حالة الفقر التي يعيشها، أسأله عن جدوى بحثه الميداني المرير، فيجيب: خويه ما خليت باب ما طرقته، والجواب عالموازنة!.

هل سيبدو جديدا وملفتا لو قلنا ان تأخير إقرار موازنة البلاد مؤثر كبير على الاقتصاد والأفراد وكل صغيرة وكبيرة في هذه البلاد؟ بالطبع كلا، فقد أدرك الجميع طوال سنوات هذه الأهمية في تشريع الموازنة التي يفترض ان تعد قبل موعدها وتقرّ مطلع العام بغض النظر عن أي ظرف طارئ (او مفتعل)، بدلا من مرور خمسة اشهر من الجدل غير المضني.

يا جماعة, الموازنة هي القانون الأكثر مساسا بحياة المواطن وواحدة من أهم أعمدة البناء الأساسي للدولة، وحين نقول دولة فهذا لا يعني حكومة ولا أشخاصا، إنما هي المركب الذي يقف به الجميع حكاما ومحكومين.

ولكن ما الذي يجعل من قانون الموازنة عصيا على الكتل السياسية حتى أنه بات فتنة سياسية دورية سنويّة لابد لها وأن تطرق أبواب الساسة ومعها أبواب المواطنين. المشاريع والتبويبات والتداولات والمصالح كلها في سبات جبري، كلها متوقفة في الوقت الحاضر، فيما يختزل جواب أي تشكيل إداري متوقف ماليا بأجابة جاهزة تختزلها مفردة (عالموازنة).

ودعونا لا نذهب بعيدا في جدلية الموازنة ونعود لذلك الشاب الذي حاورته في رحلة قصيرة بسيارة الكيا وهو يتحدث كما لو كان مسؤولا عن موازنة العراق لا عن ضائقة عيشه وظروفه الصعبة، حالة البطالة التي تسبب له الحرج في بيته الذي يقيم به مع أهله والمتكون من 50 مترا فقط، والذي بات أشبه بملجأ سكن وليس بيتا بسبب تكدس اكثر من عائلة فيه، يحكي هذا الشاب العاطل عن العمل وربما الأمل أيضا، يحكي ان قضيته مرهونة بمرحلة تشكيل الحكومة، ثم إقرار الموازنة، فإطلاق التعيينات، بوجود عدالة في تكافؤ الفرص بين الخريجين، ثم خلاص وتحقيق لذلك الأمل!.

ولذلك بودي ان أسأل: كم شاب عراقي يعيش مثل هذه الأزمة التي تسببها الموازنة، وكم مشروع حيوي ينتظر الشروع فيه او استكماله اذا كان قد توقف نهاية العام الماضي، كم من مصلحة تفوت لقاء هذا التأخير الذي لا يعي برلماننا (منتهي الصلاحية) أثره، ثم هل يكترث الجماعة الان لمصائر الناس بقدر الجدل الحسابي لمصالحهم، ألا من صوت حريص يصرخ بآذان ساستنا، اتركوا كل شيء الآن؛ الموازنة يرحمكم الله!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان