علي علي
يبدو أن الكلام عن مجلس نوابنا بعد عملية الاقتراع بدأ يأخذ منحى آخر، إذ على الكاتب أن يختار بين مفردتي السابق واللاحق، والماضي والحاضر، وقد يستبق كاتب الأحداث من باب التمني او (التشفي) فيطلق مفردتي المقبور والمباد، عندما يكون الحديث عن البرلمان السابق. وقطعا هذا لم يأت من اللاشيء، فسلبيات برلماننا (العتيگ) (مايلبس عليها عگال). حيث ماسجله معظم النواب خلال الدورتين السابقتين، لم يكن أغلبها في خدمة المواطن، بل على العكس، كان الشعار المرفوع فوق قبة البرلمان (كلمن يحود النار لگرصته) بل أن أغلبهم زادوا على المثل فصار؛ (كلمن يحود النار لگرصته وگرصة حزبه وكتلته وطائفته ومحافظته) وتمادى بعضهم فحاد النار الى أسياد له كلفوه بمخطط قام بتنفيذه حسب الاصول، او جهات أجزلوا له العطاء وأغرقوه بالمن والسلوى. وقطعا لم يفعلوا كل هذا (لأجل سواد عيونه) وهو بدوره لم يفعل شيئا لأجل سواد عيونهم، فالعراق يدفع الثمن من شعبه وأرضه وحقوقه ومستقبله.
لذا يتوجب على من يروم الكتابة عن مجلس النواب انتقاء المفردة المناسبة زمانا ومكانا، لكن الجميع متفق على ان سلبيات الدورتين السابقتين كانت أكثر من الإيجابيات بكثير. فقد دأب مجلس برلماننا (العتيگ) منذ ولادته متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول او حتى عُشر معقول، إذ يدخل مشروع القرار بوابة مجلس النواب ليصطف في طابور أفعواني مع سابقاته من مشاريع القرارات، والتي بدورها قلبتها القراءات بين أولى وثانية وثالثة، وكذلك التأجيلات بين فصل تشريعي وثانٍ وثالث. وكان ديدن المجلس هذا يختص بالقرارات والقوانين المهمة التي تخص مصلحة البلاد، أما حين تكون الجلسة مخصصة لقراءة قانون او مشروع قانون يخص تقاعدهم او مرتباتهم، او مناقشة امتيازاتهم ومكافآتهم، وكذلك التسهيلات الممنوحة لهم من علاج وسفريات وحجّات وعمرات، فكانوا (أسرع من الذيب اخف من الهوى العالي) إذ سرعان مايعقد الاجتماع وتبرم الجلسة على عجالة، وتُقرأ المشاريع وتُقر القوانين، ويصادق عليها وتنشر في الجريدة الرسمية، وكأن رئيس المجلس وأعضاءه يرددون قول ابي فراس الحمداني:
معللتي بالوصل والموت دونه
إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
ولكي لاأغمط حقا للمجلس السابق، فأذكر ان المجلس قام بـ (فلتة) يتيمة، فسجل إيجابية في دورتيه، يوم اتخذت رئاسته قرارا بتأجيل إجازة المجلس التشريعية شهرا واحدا من 14/ 4 الى 14 / 5 من العام المنصرم، وكان هذا دافعا من الرئاسة لكون الموقف الأمني كان حينها حساسا. فهل يبقي النواب اللاحقون تلك الفلتة يتيمة؟ أم سيأتون لنا بجديد من الايجابيات والحسنات، لعلهم يمحون بها بعضا من حسنات النواب السابقين! الأمل -كل الأمل- أن يكون النواب الجدد أكثر حرصا من الـ (عتّگ) بدءًا من المواظبة على الحضور تحت قبة المجلس، الى حسن التعامل مع مشاريع القرارات والقوانين وإيلائها الأهمية القصوى، لاسيما فيما يخص المواطن ومصلحته، والبلد وما يدرأ عنه الأخطار والمشاكل والقلاقل، وقادم الأيام كفيل بكشف حقيقة الواعدين والمدعين.





