حوارات وتحقيقات

العنف لدى الأطفال .. بين التربية الخاطئة وافرازات المجتمع

 تباينت أسباب زيادة العنف لدى الأطفال في المرحلة الإبتدائية وبحسب الخبراء والمتخصصين فـي علم النفس العام وعلم النفس التربوي والإرشاد التربوي والنفسي ، من طفل لاخر واصبحت تثير اكثر من سؤال.

وعلى الرغم من ان هذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع العراقي ، الا ان استفحالها في الآونة الاخيرة ، جعلت هؤلاء المتخصصين يتحرون عن الاسباب. 

لذا استطلعنا آراء عدد المعنيين بهذا الشأن لتسليط الضوء على هذه الظاهرة التي برزت في المدارس بشكل خاص وقد تتسبب بنتائج وخيمة اذا لم تتخذ اجراءات عاجلة من قبل الاجهزة التربوية.

الحقيقة – ماجد البلداوي

 

يقول الدكتور نجم عبدالله الموسوي الاستاذ في كلية التربية بجامعة ميسان ” إن للتربية دوراً كبيراً في بناء الفرد والمجتمع على حدٍ سواء ، فمن طريقها نستطيع أن نجعل الإنسان عالماً صالحاً نافعاً في المجتمع الذي يعيش فيه ، أو جاهلاً ضاراً ، بينما يظل هدف التربية ، تنمية القابليات الأنسانية وصياغة الشخصة البشرية الصالحة ، وتنشئة الجيل والنهوض به نحو الأخلاق السامية “.

واضاف ” إنَّ الهدف الأكبر من التعليم في المرحلة الإبتدائية هو أنْ ننمي في كل تلميذ جانبين أساسيين هما الجانب التربوي /الاخلاقي/ والجانب العلمي ، انطلاقاً من الأهداف التربوية العامة والخاصة التي وضعت للمرحلة الإبتدائية “.

وتابع :” ولأهمية مرحلة التعليم الإبتدائي بوصفها اللبنة الأولى والأساسية التي تستوعب الطفل من السابعة الى الثانية عشر من عمره ، جاءت أهمية التربية الأخلاقية وملاحظة السلوك الذي يصدر منه ومتابعته باستمرار وبيان مدى التغيير الحاصل فيه ، كما إن الوظيفة الأساسية للتربية والتعليم هي تنمية الإدراك والميول وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتفق مع صالح الفرد والمجتمع “.

صعوبة التكيف في الوسط المدرسي والإجتماعي

واشار الموسوي الى ان الهيئات التعليمية هي المسؤولة عن إدارة هذا التوجيه وتنمية الشعور في خدمة البشر والاندفاع في العمل الإيجابي. 

واوضح ” ان من الملاحظ التي كثرت هذه الأيام ، شكوى المعلمين والتربويين والمتعلمين وأولياء الأمور من ظاهرة زيادة العنف لدى أبنائهم ، فالأطفال في الوقت الحالي تزداد مشكلاتهم الإجتماعية سواء كانت مع زملائهم أو في داخل اسرهم والبعض منهم يعاني من صعوبة في التكيف داخل الوسط المدرسي والإجتماعي “.

لكنه ارجع ظاهرة العنف الى الاثار السيئة التي تمتد إلى ميادين الحياة الأخرى ، كفقدان الأمن النفسي والتربوي لدى الأطفال وهو ما يؤدي إلى التأخر الدراسي عامة ، وبالتالي يعجز الأطفال عن اكتساب المعرفة ويؤدي إلى زيادة المشكلات الإجتماعية وإلى التسرب من المدرسة واحياناً يقود إلى السلوك العدواني بمختلف مظاهره أو قد تؤدي إلى حصول ظاهرة الجنوح.

في حين يرى الدكتور عبد الكريم الموزاني استاذ الارشاد التربوي والنفسي في جامعة البصرة ، إنَّ من السمات التي تميز العصر الراهن الذي نعيش فيه هي ” الثورة العلمية والمعرفية الناتجة عن التطورات التكنولوجية الهائلة التي أحدثت تأثيرات غير متناهية الأبعاد على مختلف جوانب الحياة البشرية ، الأمر الذي حتم علينا الإلتحاق بركب هذا التقدم العلمـي “.

واستطرد :” كما إنَّ هذا التطور والتقدم الذي يحصل بسرعة عالية ، أدى إلى عالم زاخر بالمعلومات التي تنمو وتزداد في كل يوم ، وهذا الإزدهار العلمي حفز العملية التربوية وولد ضغوطات كبيرة عليها ، فأصبح من واجب المؤسسات التربوية والتعليمية أنْ تواكب التغيير الإيجابي الحاصل في النواحي الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والعلمية ، حتى يستطيع طالب العلم أنْ يساير ويواكب الإنجازات والمعلومات التي تتكاثر يومياً بشكل كبير “.

واضاف ” لذا لا بد لهذه المؤسسات من إيجاد حلول مناسبة وموضوعية ، وتهيئة أساليب ووسائل جديدة تلائم هذا التغيير في الحياة الإنسانية ، ويتم ذلك عن طريق الإستعانة بالتربية الصحيحة والناجحة والمقصودة النابعة عن الوعي والتخطيط المستمر “.

ويؤكد الموزاني ” ان التربية تعني تنمية الفرد تنميةً شاملةً متكاملةً من جميع الجوانب الروحية والعقلية والجسدية والنفسية والإجتماعية والجمالية ، بحيث لا يطغى جانب على آخر ، فهي تنمية متوازنة مع الشمول والتكامل ، تستهدف إعداد الفرد الصالح إعداداً شاملاً ومتكاملاً ومتزناً ، ليكون نافعاً لنفسه ومجتمعه سعيداً في حياته “.

وقال ” إنَّ التربية العشوائية العفوية غير المبنية على أسس وقواعد علمية ، تبدد الطاقات والجهود وتخلق الإضطراب ، والبلبلة في المجال النفسي والسلوكي ، وتحرف الأهداف والغايات التربوية عن مسارها الحقيقي “.

واضاف ” ومن هنا كانت الحاجة ، إلى منهج تربوي ثابت في إصوله ، واضح في مقوماته ، ضرورة من ضرورات الحركة التربوية ، فهو الذي يرسم للتربية مسارها السليم المتوازن ويحدد معالم طريقها ، ويوجه الجهود والنشاطات والبرامج التربوية لتعزيز المفاهيم والقيم الصالحة والسامية في الواقع الإنساني “.

واشار الى ” ان التربية يجب ان تكون عملية إعداد وتنشئة وتوجيه وإصلاح وقيادة للإنسان في مختلف مراحل حياته ، وأبعاد كيانه خصوصاً في المرحلة التي يحتاج فيها الإنسان إلى عملية التنمية ، والإعداد والإصلاح ، وبذا تكون التربية عبارة عن عملية بناء وتوجيه الإنسان ، والوصول به إلى مرحلة النضج والكمال ، وبنائه بناءً روحياً وفكرياً وسلوكياً وجسدياً متوازناً وسليماً ، يمكنه من أداء رسالته ، والتعبير عن إنسانيته “.

وقال الموزاني ” من هنا برزت الحاجة الحقيقية لتصدي التربية لمعالجة الأفرازات أو الأرث السايكولوجي الذي تعرض له الطفل العراقي نتيجة الانظمة الدكتاتورية التي مرت عليه وتعاقب الحروب والأحداث المريرة ، فكان الأمر لزاما أن تتصدى التربية بكل ما تملكه من قابليات وامكانيات لمعالجة الحالات السلبية لدى الأطفال في المرحلة الإبتدائية ولا سيما حالات العنف لديهم وتقصي الأسباب ومعرفة الدوافع الكامنة وراء هذه الظاهرة “.

وشدد على ” اهمية تفعيل جانب الإرشاد في التربية وفي المدرسة خصوصاً لأنه يتركز على الفرد ذاته أو على الجماعة ذاتها بهدف إحداث التغيير في النظرة وفي التفكير وفي المشاعر والاتجاهات نحو المشكلة ونحو الموضوعات الأخرى التي ترتبط بها ونحو العالم المحيط بالفرد والجماعة “.

وتابع :” ومن هنا فان هدف العملية الإرشادية لا يقف عند حد مساعدة الفرد أو الجماعة في التغلب على المشكلة بل إنه يمتد إلى توفير الاستبصار المناسب للفرد، الذي يمكنه من زيادة تحكمه في انفعالاته وزيادة قدرته على السلوك البناء والايجابي، الذي يمكن الفرد من المواجهة الكفوءة للمشكلات في المستقبل ، بل وفي اختيار السلوك الأنسب الذي يحقق له التوافق ، وفي تبني وجهات النظر التي تيسر له الشعور بالكفاية والرضا، ومن ثم الصحة النفسية “.

تدافع الإرادات والرغبات والشهوات

ويقول حامد النعيمي /رجل دين/ ” إنَّ البر والتقوى من الإمور التي توحد الجماعة وتجمع صفوفها وتلغي عوامل الفساد والإختلاف والنزاع وعناصر التضاد والتدافع في الإرادات والرغبات والشهوات وتسيطر على أسباب الهوى والغضب والإنفعال “.

ويضيف ” وعمل البر والتقوى بالرغم من حسنه وميل الفطرة الإنسانية اليه ، إلا انه عمل ثقيل وصعب لما فيه من جهاد النفس والبذل والعطاء وتحمل الآلام ، ولذلك كان يحتاج التعاون والإشتراك في المسؤولية والإنجاز ، فالتعاون والتسامح في الإسلام ، قاعدة أساسية في تربية المجتمع المسلم ، لإعداد كل فرد إعداداً يؤهله أنْ يكون فرداً صالحاً ، وعضواً نافعاً ، وكائناً إجتماعياً متكيفاً ، مع المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه “.

واستطرد :” كما إنَّ الإسلام يؤكد على نبذ العدوان والعنف ، بإعتبارهما عاملان يعمل معولهما في هدم المجتمع ويسعيان إلى عدم تحقيق الأمن فيه ، اضافة الى ان العدوان والعنف والتعسف والقهر والتسلط ومصادرة الحرية ، هي أقصر الطرق لتدمير شخصية الفرد وجعله انسانا ليس ذي قيمة داخل مجتمعه ، وبذلك يفقد حاجة مهمة من حاجاته الأساسية التي أكدها علم النفس وهي الحاجة الى الإحترام والتقدير وتحقيق الذات “.

ويرى احمد هاشم البياتي /ناشط في منظمات المجتمع المدني/ ” أن العراق الجديد يسعى إلى تجاوز ملفاته السيئة في مجال اضطهاد حقوق الإنسان التي لم تعبأ بها السلطات الدكتاتورية سابقا ، بل أنها مارست السلطة التعسفية القاهرة والهادرة لحقوق معظم العراقيين “.

وقال ” كان ملف الطفولة مأزوماً نتيجة لآثار الصراعات والحروب المتتالية ثم ما خلفته مرحلة الحصار القاسي، وشيوع الثقافة التسلطية في جميع مناحي الحياة ، ورغم التوجه العام لكل السلطات باتجاه الاهتمام بالطفولة وتهيئة السبل الكفيلة لعيشها الكريم ، إلاّ أن الإجراءات المتخذة غير كافية ، فلازالت أكثر التشريعات غير فعالة أو نصوص دستورية لم يتم تشريع قوانين فرعية تترجم هذه الرؤية الدستورية في مجال التطبيق ، فضلاً عن اعتماد الكثير من التشريعات السابقة التي لا تتلاءم والرؤية الجديدة لحقوق الإنسان. “

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان