كتاب الحقيقة

مسك الختام.. أم (زفت) الختام..!

علي علي 

 
   منذ تشرين الثاني من العام المنصرم، شدت الموازنة رحالها لتخوض رحلتها المضنية في أروقة مجلس النواب، وهي عالمة بما ستمر به من جرجرة و (عرعرة)، فبرلماننا (سيف المجرب) بتأخير القراءات والإقرارات والموافقات، لاسيما حين يكون القرار او القانون متعلقا بمصلحة المواطن او مصلحة البلد. وهي الى اليوم تائهة في بحر هذا البرلمان الزاخر بالسفن الغرقى والعالقة والمعطلة، والتي كتب لها أن تبقى نائية عن المرسى. ومنذ مطلع السنة الحالية تعالت الصيحات من وزارات الدولة ومؤسساتها وكذلك الشركات المستثمرة الأجنبية، فضلا عن القطاع المختلط والقطاع الخاص، وفوق هذا وذاك المواطن المبتلى، فهم ينادون جميعهم بإقرار الموازنة العامة لهذا العام، لكن الرد كان قد جاء قبل أكثر من ألف عام حين قال شاعر:
      لقد أسـمعت لو ناديت حيا         ولكن لاحياة لمن تنادي
      ولو نارا نفخت بها أضاءت         ولكنـك تنفخ في رمـاد
فالموازنة ليست “أول مغرم… فتكتْ به الوجنات والأحداق”. فغيرها من القوانين كثير ينتظر في طابور طويل، لايلوح في الأفق أمامها بصيص أمل -إلا بالله جل وعلا-. إذ لو أعدنا النظر الى ماكان يفعله مجلس نوابنا خلال ساعات الدوام الرسمي، لاتضح لنا أنه أشبه بعطلة طويلة تتخلها أيام شبيهة بأيام الدوام، أما أعضاء المجلس فهم كما هو معلوم (خلالات العبد) وعددهم محدد بـ (328) عضوا (نثية وفحل) أي أن أي تغيب لأحد منهم، يكون ملموسا ومحسوسا، وعلى وجه الخصوص في الجلسات التي تكون مخصصة لإقرار قانون او قراءة أخيرة لمشروع قرار. لكن واقع الحال لم يكن يعكس صورة الانضباط في ساعات الدوام كما ينبغي لها أن تكون في مجلس يعتمد على نتائج اجتماعاته ملايين العباد. وكلنا يتذكر كيف كانت تعقد الجلسات في زمن كانت البلاد فيه تضطرم بين نار الفتنة والفساد والصراعات، فيما يقضي بعض الأعضاء ساعاتهم في كافتريا المجلس، فضلا عن غير الحاضرين أصلا، وبأعذار غير مشروعة ولا أصولية. أما استغلال العطل وتمديدها بشكل لم يكن يصب في خدمة المواطن فالحديث عنه (لاياخذ ليل ولايجيب عتابة..!). 
   كل هذه المعطيات ولدت لدى العراقيين ردود أفعال، ولدت بدورها انطباعا سجل على البرلمان سلبية، لها مردوداتها الخطيرة على المواطن والبلد على حد سواء. فالخلافات والاختلافات التي يختلقها ويتبادلها ساستنا بتفنن متقن، أضحت منذ اعتلوا سدة الحكم، ككرة التنس او الركبي او المنضدة، يلهون بها ويتمتعون بمزاولتها وقضاء أوقاتهم معها في ملاعب شتى، فتارة في الملعب المسقف المدفأ شتاءً والمبرد صيفًا، وبأحدث وسائل الترفيه الذي يسمى (قبة البرلمان). وتارة أخرى يحلو لهم ان يستجمموا بنسائم شمال العراق، فيتجشمون عناء السفر بحجة اجتماع هناك، يقيمونه لأسباب وتعليلات بقوالب جاهزة مسبقا ومسميات رنانة منها؛ رأب صدع او رتق جرح او لم شمل او شد أزر او توحيد رؤى اوتقريب وجهات نظر اوتخاطب فِكَر اوتلاقح أفكار اوتناكح همم او تزاوج نوايا، وبالنتيجة يُسفر اجتماعهم عن شتات وتفرق وعراك يعود بالتالي على المواطنين بـ (هجمان بيوت). فهل يختم نوابنا رحلتهم الوظيفية والمهنية بمسك الختام؟  أم بـ (زفت الختام)..!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان