كتاب الحقيقة

الداء الذي يرتضيه الجميع

كريم السيد

 

من الطبيعي أن تجد في بلدان الغرب امرأة ورجلا يتعانقان ويتبادلان العشق والغرام والتقبيل ويشعران بالحب كما لو أنهما بغرفة نومهما, بل الأكثر من ذلك أن القانون يحمي من يتعرض لهما أو من يتجسس أو يضيق عليهما حتى, إلا إن هذا الفعل في الشرق وخصوصا في البلاد العربية والإسلامية يشكل جريمة وفقا للاعتقادين الديني والقانوني وخدشا للحياء العام كما انه لا ينسجم والأعراف الاجتماعية والقبلية السائدة في تلك المجتمعات وبذلك فان الدين والقانون والأعراف الاجتماعية توفر ذلك الغطاء الذي يجرمهما, ولذا كانت الأعراف الاجتماعية تمثل رادعا يكون غرضه إحاطة المجتمع بشيء من الالتزام بعدم هتك الحرمات والحفاظ على السكينة العامة والذوق العام.

إن البون الذي رأيناه في مثالنا أعلاه يشكل نقطة محورية من الضروري الالتفات إليها, إذ أن التجريم وعدمه يتفق ومبادئ الدين والقانون والعرف الاجتماعي وهذا ما دعانا للنظر في جريمة الرشوة التي تعتبر وجها من وجوه الفساد المالي التي تنخر مفاصل الدولة وتشكل ظاهرة يسعى الجميع للحد منها ومن ثم القضاء عليها.

فكما معلوم أن الإسلام يحرم الرشوة جملة وتفصيلا وفقا لنص النبي محمد (ص) في حديثة الشريف الصحيح والصريح “لعن الله الراشي والمرتشي..” , أما من الناحية القانونية فان الرشوة تعتبر من الجرائم المخلة بالوظيفة العامة, ورد النص عليها قانونا في الباب السادس (الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة) الفصل الأول (الرشوة) المواد (307-314) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل والنافذ حدد الجريمة والعقاب لفاعليها وهذا هو البعد القانوني لجريمة الرشوة, إلا أن الواقع يبدو بعدم تجريمها اجتماعيا, إذ نلاحظ وبالرغم من تجريمها الديني والقانوني إلا أنها مقبولة اجتماعيا وضمنا (لأسباب عديدة) وهذا ما سبب طول عمرها مع قيام الحكومات العراقية المتعاقبة رغم فوارق تفشيها.

من أسباب ذلك القبول تداخلها بالقيم البدوية وحب الغلبة والتنازع; فمثلا نرى أن الراشي يتحدث عن الرشوة أحيانا وكأنها فعل طبيعي وعادي من دون أن يلاقي ردعا اجتماعيا حازما والحال نفسه يجري مع المرتشي الخائن للأمانة بل الأدهى نرى أن المرتشي يكون بطلا و فاعل خير وصاحب نخوة لقاء قيامه بما ينفع المصالح الخاصة للأفراد والتي تعتبر من مهامه التي ائتمن عليها وتعتبرا جزءا من واجباته الوظيفية, حينها سيكون ثمن هذا القبول رفع مكانة الفاسد شرعا وقانونا بزنبيل الأعراف الاجتماعية غير الصحيحة باستغلال ضعفاء النفوس لهذه المفاهيم الخاطئة.

بالنتيجة.. لو أن المجتمع واجه الرشوة اجتماعيا وادخلها ضمن إطار تجريمها الديني والقانوني الصريح بالنصوص لكونها واحدة من الممارسات المخلة بقيمة الفرد والمجتمع لكنا بحال أفضل.

إلا إن قبولها ضمنا هو من يدفع باستمرارها وتفشيها بالحجم الذي تتكلم عنه الجهات الرقابية في البلد وبعبارة أخرى لو أن المجتمع واجه قضية الرشوة كما يواجه قضية شرب الخمر والسفور أو القضية التي ذكرناها بداية الحديث لكان للرشوة شأن آخر.

  والخلاصة إن الرشوة كداء ووجه من وجوه الفساد لابد أن يواجه من المجتمع بشكل مشابه للقضايا الأخرى, بل اشد من ذلك, لأنها خيانة للأمانة وطريق لثراء المفسدين على حساب المصلحة العامة, أما بقاء الحال كما هو عليه سيكون كفيلا ببقاء الجريمة الاجتماعية إلى ما شاء الله, ولله تؤول عواقب الأمور.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان