عبد المنعم الاعسم
الذي يستمع الى ما يتسرب من كواليس اللقاءات بين الزعامات وممثلي الكتل السياسية ياخذه العجب حيال هذه الفوضى التي يتخبط فيها العقل القابض على لعبة السياسة والترتيبات، وعلى الخارطة تظهر اشارات وأرقام لا أحد يثق في صدقيتها وحسن نياتها: خصوم الامس صاروا سمنا على عسل، وحلفاء البارحة طلّقوا بعضهم بالثلاث، وكثير من الماء جرى على هامش السباق الى المجهول. اما الشعارات والبرامج والمواقف القديمة فقد تخلى عنها هؤلاء وصاروا اخف من الريشة، ومن زاوية يبدو ان المطلوب هو تصفيات الحساب: تلوي يدي هنا، الوي يدك هناك.
حتى الآن، تجري فصول اللعبة في الكواليس، وكأنها تجري بين اشباح تصلح مادة لمسرح اللامعقول، فلا ينبغي الاطمئنان كفاية الى القول الشائع ان النية تتجه الى تصفية القلوب والعودة الى حكمة التوافق والتكافل والتضامن والاخوة والشراكة، فان شيئا قليلا من هذا يحدث في الواقع حتى الآن، وان من يمعن النظر في التسريبات سيعرف كيف يلوي البعض ذراع البعض الاخر من المواضع الحساسة، والهدف إجبار الاخر على التنازل عتبة عن قاسم المشهد ومقسوم الامتيازات، وطبعا سيكون المراقب بحاجة الى تفكيك بعض الالغاز والرطانات عما يقال حيال العملية السياسية والمصالحة الوطنية، والتضحية في سبيل الشعب، ومكافحة الفساد، واعادة الاعمار.
الذي يجري باختصار، محاولات حميمية لاعادة هيكلية المصالح الفئوية على اساس المؤشرات الاولى لنتائج انتخابات نيسان الماضي، وترتيب مصالح هذا الجار او ذاك، وبهدف توظيف نتائج هذه المعركة، في حساب جديد للحجوم والمقامات، وثمة في السياق الكثير من الابتزاز والضغط والتلويح باجراءات وتعديلات وتحالفات جديدة، وثمة بالمقابل ايماءات عن تحريك ومراجعة قواعد وثوابت وتعهدات واستحقاقات سابقة. المتقدمون يتصرفون كاصحاب حق اضافي، والمتأخرون غير مستعدين للتنازل عن مساحاتهم، فيما يبحث الاخرون عن معابر قصيرة وآمنة للامساك بالحصان الجامح.
وبكلمة موجزة، فان المراقب الموضوعي لهذا التشابك يلاحظ ان ثمة اندفاعا متعجلا لفرض معادلات جديدة يتساقط عنها منافسون او طامحون او خاسرون، وان هناك ليّ اذرع، واصوات توجع واستغاثة، لكن ثمة فرصا محدودة للكسبٍ على السطح من دون ثمن.
والثمن احيانا يدفعه مغفلون.. لنتذكر قصة اشعب مع الصبيان الذين كانوا يضايقونه فصرفهم عنه الى وليمة مزعومة.
“لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى، بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه”
العقاد





