احمد الشيخ ماجد
“عذاب الكيّة ولا عشكَـ البنيّة.” هذه الكلمة التي صادفتني في أوّل الصباح عندما كنتُ خارجاً إلى العمل, وهي مكتوبة على خلفيّة لـ”سيارة” حمل تُسمى “كيّا”. كلمة ساخرة كانت متنفسا, وباعثة على الضحك في خضم السواد الذي يلف أرواحنا المعذبة, التي انهكها الخراب الجمعي الذي يجري بشكلٍ مستمر في هذا البلد..
الشعارات التي تُكتب على خلفيّات السيّارات متفشية جداً في هذه الأيام، وربما هي تعبر عن حالة معيّنة، ويريد السائق جذب النظر حول مركبته لإثارة إنتباه الآخرين. أو هي تعبير صادق عن شخصية السائق, وما يختلج في نفسه. أو هي نتيجة كبت رافق الناس لعدة عقود, كانوا لا يستطيعون ان يعبروا عن آرائهم في كل شيء, ووجدوا مساحة يقولون بها ما يريدون وسط عراقٍ يفتقد إلى كل شيء, إلا الكلمات التي لم تجد نفعاً, ولم تغيّر شيئاً!.
تكثر هذه الظاهرة في المناطق الشعبيّة، وتجد لها صدى واسعا. وثمة من يهواها ويحبها، والكثير من سائقي السيّارات يتهافتون على محال الكماليّات, ولا يستطيع احدهم ان يسير في “سيارته” من دون ان يكتب إحساسه، أو بعض الكلمات التي ربما تعبر عن صراع عائلي أو طبقي أو ما شابه.. البعض منهم يكتب كلمات دينية بحتة, كأن يكون دعاء، أو كلمة طائفيّة يثير بها حفيظة الآخرين, ويفعل هذا “المتدينون” فقط, الذين يحبون الظهور بالشعارات لا بالأفعال..
وأكثر من يستخدم هذه الشعارات, هم أصحاب “السايبات” وشعاراتهم للسخرية من الذين يعيبون عليهم صعودهم إياها, مثلاً : “تكبر وتصير همر!.” أو يدافع عنها بطريقة مأخوذة من تفكير المجتمع, ونمط تعامله: “هاي مو سايبه هاي بت عشاير!” .
والأمر لا يقتصر على فئة معينة من الشباب, بل كل يكتب حسب اهتماماته, فهناك من يهتم لأمر “سيّارته” ليدافع عن مقامها, أو يزيل الشبهات عنها, مثل أصحاب “السايبات والكيّات” ذلك أنهم المذمومون دوماً من قبل الناس.. أتذكّر إنني كنتُ واقفاً في زحام كثيف جداً, وكانت موجات من الحر لاهبة, يكاد الرأس يطير منها, وجاء صاحب “كيّا” وصل مسجّله إلى اعلى درجات الصوت, وكانت الأغنية تثير الوجع والألم أكثر مما يثيره الحر, اتذكّر ان ايقاعها كان يدور في نمط سخيف, وسمج جداً: “بلا بلا بلا..الخ!” وقد كتب على مؤخرة سيارته “سوّاق الكيا ولد الكَريّا!” وقد أخذت هذه الكلمة من مثل شائع, وكلمة كثيراً ما تردّد في أوساط الجيش إبان حكم صدام : “إحنه ولد الكَريّة، كلمن يعرف أخيّه”.
وكذلك تطغى على شوارعنا المغبرة, والتي يعلو عليها التراب, وأصوات المفخخات, الشعارات الرياضيّة, وهي كثيرة جداً على خلفيّات السيّارات, كونها تشكّل أهمية بالغة للشباب. ولأن العراقيين يحوّلون حتّى أساليب المتعة إلى صراع وعراك, تجد الخلاف واضحاً من على زجاج السيارات, فقد كتب احدهم على سيّارته : “مدوخهم ميسي!” وكتب الآخر : “يروحون فدوة للملكي!” ويقصدون بالملكي هو الفريق الاسباني (ريال مدريد). وإذا كان السائق عاشقاً فحدث ولا حرج, فيكتب الألقاب لمعشوقته حسب ما يحب ويرى, فقد كتب صاحب “برازيلي” كان عاشقاً ورياضيّاً في نفس الوقت: “حبيبتي برشلونية وتسوى رنالدينو!” .
ربما لا يكفي هذا المقال إذا أردنا ان نحصي هذه الشعارات, كونها كثيرة جداً, وقد طغت طغياناً جارفاً في أوساط المناطق الشعبيّة, والكثير منها يخدش الذوق والحياء, ومنها ما هو ممجوج, ولا يحمل سمة الاحترام لمشاعر الناس وأذواقهم. ولأن تجربتنا في الحرية حديثة العهد, فقد أخذت تسير في مسارها الخاطئ باعتقادي, أو زادت عن حدها, وما زاد عن حده انقلب ضده. ولا ادري كيف تسكت الحكومة عن هكذا شعارات مخلة بالذوق العام, وكثيراً ما سببت حوادث في الشارع, فهم يستخدمون ألفاظاً تجذب الأنظار, ويبقى السائق ينظر لها, إلى ان “يردم” من يقابله, وهو “صافن” في خلفيّات السيّارات, يقرأ جواهر السوّاق… الغريب ان ظاهرة الشعارات لم تقتصر على السيّارات فقط, وإنما انتقلت إلى صفحات الفيسبوك, فقد كتبت أحدى المشتركات من على صفحتها : “ملاك وعيوني هلاك!.”









