اراء وأفكار

دور النقابات والاتحادات في بناء الديمقراطية

نوري صبيح

 

 

اقتضى المجتمع المدني ثلاثة قرون ، من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين ليصل إلى ما عُرف به اليوم من نضج، وخلال هذه القرون قام مفكرون من بلدان أوربية مختلفة (لوك،روسو،هوبز) وفي أوقات متباينة بتحليل أوجه مختلفة من المجتمع المدني،وبرز خلال العقد الأخير من القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين اهتمام استثنائي بمفهوم المجتمع المدني في العالم عموماً، ويعود ذلك لصلته الجدلية بموضوعة الديمقراطية.

إن موضوعة المجتمع المدني و قد أثارت جدلاً واسعا على مستوى المفهوم والدور والوظيفة، وأعيد له الاعتبار في المدة الأخيرة بعد إن انكشفت مساوئ الدولة الشمولية.

فالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية لاسيما في أوربا أفضت إلى القول بأن مفهوم المجتمع المدني والدولة (متلازمان ومتقابلان) فلا يمكن النهوض بمجتمع مدني دون (دولة قوية) تقوم على مؤسسات دستورية وقانونية، هذا لا يعني تبعية المجتمع المدني للسلطة (الحكومة)، بل موازيا لها، كما إن من الصعب الكلام عن سلطة دون اكتسابها للشرعية، والشرعية تأتي من الشعب،ودون ذلك تتحول الدولة إلى ( دولة معزولة ) فعندما ينهار المجتمع المدني تنهار السلطة والدولة معا.

نخلص إلى إن المجتمع المدني هو ثمرة جهود مختلفة ومتعددة ونشاطات إنسانية اجتماعية اقتصادية ثقافية سياسية، عبر تأسيس منظمات واتحادات ونقابات وروابط ونواد وجمعيات تعبر عن أراء وأفكار ومصالح أعضائها، وهي مستقلة عن السلطة، ولا تبغي ربحا، ولا تسعى الوصول إلى السلطة،وهي طوعية (اختيارية) تتمثل بروح المبادرة الطوعية الفردية والجماعية ، فهي مجتمع التضامن والتعاون، مجتمع الحوار والاعتراف بالآخر. ومن هنا جاء تشكيل وانبثاق النقابات والاتحادات المهنية المختلفة في الدولة العراقية الحديثة لتعبر عن مصالح أعضائها وطرق التعاون أو التكامل مع الدولة.

 و لما كان المجتمع المدني مجموعة من التنظيمات الطوعية والحرة التي تملأ المجال بين الأسرة-المجتمع والسلطة، فان له مجموعة من المقومات هي:

أـ الفعل الإرادي الحر والتطوعي لتحقيق مصالح الأعضاء وحماية حقوقهم وحرياتهم.

ب ـ تواجد وعمل هذه المؤسسات(النقابات والاتحادات) في إطار ( دستوري، قانوني ) تكتسب صفة الشرعية  .

ج ـ عدم السعي للسلطة السياسية، فوظيفتها عامل ضغط وتأثير على القرار السياسي، فضلاً عن استقلالها عن السلطة التنفيذية.

  ولكي يحقق المجتمع المدني غايته لابد من توفر جملة من الشروط وهي.

 اـ شيوع الثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع والسلطة السياسية.

ب ـ توفر فضاء من الحرية على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي ومثبتة دستورياً في الفصل الثاني الحقوق والحريات.

ج ـ توافر مبدأ احترام حقوق كل الجماعات الاثنية والقومية من قبل المجتمع والسلطة السياسية.

إن مؤسسات المجتمع المدني واحدة من قنوات المشاركة السياسية في الأنظمة السياسية الديمقراطية، وهي تمثل عامل ضغط على السلطة في مخرجات القرارات السياسية للسلطة لخدمة الصالح العام. لكن الفرق أنها لا تسعى للسلطة بالرغم من ان أعضاءها أكثر قطاعات المجتمع نشاطاً واستعداداً للانخراط في الأنشطة السياسية الديمقراطية. وتبدو العلاقة واضحة بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فان من أسباب ضعف التحولات الديمقراطية تعود إلى غياب أو ضعف المجتمع المدني.ان المجتمع المدني يمثل البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتسيير المجتمع، ومن ثم فان مؤسسات المجتمع المدني أفضل إطار للقيام بدورها كمدارس للتنشئة الديمقراطية، فعندما ينشط المواطن في حيزه المجتمعي فمن الطبيعي ان يتثقف ويتدرب على الممارسة الديمقراطية،ويصبح مهيأً للانخراط في النشاط العام للمجتمع في إطار ديمقراطي،وحينها يصبح طرفاً فاعلاً ومشاركاً في الممارسة الديمقراطية،وعندما تتوفر إمكانية المشاركة الواسعة للمواطنين من خلال المؤسسات،تتوفر حياة داخلية وديمقراطية تمكن الأعضاء من القيام بهذه الأدوار. وبذلك تصبح الديمقراطية بناءً من أسفل ليشمل المجتمع كله، وطرفاً أساسيا في معادلة الحكم.إذن: يقوم المجتمع المدني بدوره في بناء الديمقراطية على مستويين:

 الأول: مستوى ثقافي وتعبوي يقوم بأداء وظائفه في المجتمع،

الثاني: مستوى تربوي من خلال الممارسة الداخلية لأعضائه في التدريب على الأسس والحوار الديمقراطي.

ويتمل دور المجتمع المدني في الإسهام بالتحول والبناء الديمقراطي بمجموعة من الوظائف هي:

1 – تجميع المصالح: حيث يتم بلورة مواقف جماعية ومطالب مجتمعية وعرضها على السلطة السياسية بما فيها السلطة التشريعية للوصول إلى حل لتخرج بصيغة ( قرار سياسي) يخدم الصالح العام.

2 -تدريب وإفراز القيادات الديمقراطية: إن العمل في مؤسسات المجتمع المدني تجتذب المواطنين وتمكنهم من اكتشاف قدراتهم وتوفر لهم السبل في الممارسة،لتجعلهم ناشطين ومهيئين للقيادة،وبذلك تسهم هذه المؤسسات في دفع التطور الديمقراطي وإنضاجه.

 3 -زيادة الثروة وتحسين الأوضاع: تسهم مؤسسات المجتمع المدني في توفير نشاط فردي وجماعي يؤدي إلى زيادة الدخل الفردي وذلك يساعدهم في ممارسة النشاط السياسي والمجتمعي والاهتمام بقضايا المجتمع.وعكس ذلك ينصرف الناس عن الاهتمام بقضايا المجتمع والمشاركة بحلها.

 4 – إشاعة ثقافة مدنية وديمقراطية: إن من أهم الوظائف التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني، إشاعة الثقافة الديمقراطية التي تتمثل بالتسامح والتعاون والاعتراف بالآخر المختلف, وإدارة الاختلاف بالطرق السلمية.وهذه القيم في مجملها قيم ديمقراطية.                                                         

5 -على  لجنة المنظمات غير الحكومية في مجلس الوزراء  المشرفة على منظمات المجتمع المدني  العمل على إعادة  العمل بهذه النقابات واتحادات  عبر قوانينها السابقة  أو تشريع قوانين جديدة من السلطة التشريعية و من قبل مجلس الوزراء لإعادة الحياة لها و تفعيل بناء دولة المؤسسات و القانون حيث أشارت المادتان الدستوريتان إلى  مايلي :

المادة (22):

أولا:ـ  العمل حقٌ لكل العراقيين بما يضمن لهم حياةً كريمةً.

ثانياً:ـ ينظم القانون، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية.

ثالثاً:ـ تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون.

   المادة (45):

أولا:ـ  تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعة لها، وينظم ذلك بقانون.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان