كتاب الحقيقة

وصلتني رسائل تهديد!!

حازم لعيبي

 
  يومياً تصلني رسائل تهديد وعبر وسائل مختلفة، كلما فتحت الانترنيت قفزت امام عيني تلك الرسائل الموجهة لي والى عائلتي لمنعنا بقوة من العودة الى العراق، لم تقتصر تلك الرسائل في اشارات عابرة او تلميحات لي وحسب بل تعدّت ذلك لتشير مباشرة الى آخرين ممن أعرفهم، والخطاب لغةً وسلوكاً يتلبس اللبوس التالي في توجيه الرسائل؛ فيما لو تجرأ من هم أمثالك بالتفكير في الرجوع الى الوطن سيكون مصيرهم القتل أو الذبح أو مصيرك التهميش المواطني، وكإن الامر خروج عن القانون وليس خروج قسري واجباري من الوطن.
  نعم، تصلنا نحن سكان خارج العراق رسائل بطرق مختلفة مرة باتصال هاتفي، وأخريات على شكل رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر الڤيديوهات والصور المبثوثة في قنوات الانترنيت وتلفزونات شتى تعمل على ذلك، نحن من هاجرنا العراق يوم كانت الدكتاتورية لها القوة والسلطة نتلقى رسائل بشكل يومي ومن أطراف مختلفة تحاول بشدة منعنا وغلق أبواب العودة بوجهنا ، نحن من انتظرنا لحظة التغيير وساهمنا في تعجيلها قدر تمكننا من ذلك، وصار لنا وطن أم، ورقصنا سروراً بذلك اليوم التاريخي ومازلنا نساهم في تقديم اجمل الصور عن عراقيي الداخل وعن العراق ذاته ولن نتخلى عن كليهما، نعلم اطفالنا ان يرددوا هذه الجملة: انني فخور كوني عراقي لا بل أن يؤمنوا بذلك، لم ننقطع عن البلد وما يحدث من وقائع فيه، ولنا امهات واخوة واصدقاء وذكريات واماكن نتحرق شوقاً الى الانضمام اليها، وليس لنا غير علة الوطن رغم كل هذا الوجع والتهديد، نحن من يمنعنا الاطباء من مشاهدة القنوات العراقية او اي نيوز له علاقة بالعراق، لانها وحسب اطبائنا ستسبب الضغط العالي والواطئ والكوليسترول والسكر العالي ايضاً، ليس مبالغة ولا توهماً انها الحقيقة المرّة والقاسية ولحد هذه اللحظة لايزال البعض يداوم على إرسال التهديدات بانواعها واشكالها المختلفة، ولم تنقطع لغة المنع وغلق الابواب بوجهنا كي لا نعود الى وطننا العزيز.
  والرسائل ليست افتراضية واقعية ولا واقعية أفتراضية بل يبدو كإنها إرادة مجتمعية جمعيّة متفق عليها، رغم ذلك فنحن نتغافل في التصريح علانيةً عن كاتبها ومرسلها وحاملها والمروج لها بالقوة والعنف مرة وبخطابات ذات اجناس مختلفة مرة أخرى، لكننا ومن باب مازال في الزمن بقية على اصلاح الامر والتوقف عن “ذم الخارج” واعادة الامور الى نصابها وتسوية الامر بطرق اكثر حضارية والكف عن موضعتنا في موضع المذنب الهارب لا العكس.
  وكما قلنا سابقاً فان من يروج ويبعث على الرعب فينا ويهددنا بالبقاء خارج اسوار الوطن وعدم التفكير بالرجوع اليه ليس بالشخص المجهول وفي رحلة بحثنا عن الاسباب اكتشفنا ان محاولة المنع ليس له علاقة بالوضع الاقصادي الحسن او السيئ او الحياة العامة بشكلها الغامض او حتى في نوعية التنافس او ليست افضلية من هنا احسن من لا افضلية الهناك، وليس في الامر بكليته ميزة خاصة وندرة او تفوق .
وغالبا ما تساهم وسائل الاعلام والاتصال الاجتماعي في بث مثل هذه الرسائل بشكل شخصي وعام:
– اغربها تلك التي تصلنا من اقرب الأقربين حين نسمع منهم بين الفينة والأخرى محاولاتهم في هجرة البلد والرحيل بعيداً.
– وأسوأها وأقذرها تلك التي على شكل ڤديوهات تصور كيف يذبح الأبرياء من العراقيين سواء بالتفجيرات او بالإعدامات ، وما يصل عن طريق الأخبار من الفساد الإداري واستشراء الرشوة و سرقة المال العام و كل انواع التخريب. 
– أخطرها تلك الهوة الكبيرة و الشاسعة في السلوكيات المجتمعية العامة و خصوصاً المتعلقة بالقوانين وقوتها الذاتية والنظم المحركة ليوميات الانسان و تفاصيلها وكيف على الجميع احترامها وتنفيذها.  
– وأصعبها ذلك الكسل او حياة التقاعد المستشرية في المجتمع العراقي ومحاولة الحصول على دخول مقابل لا عمل وعلى الدولة دفع مبالغ مالية كمكافآت او منح او قطع أراض  وشقق وغيرها من الاجور مقابل التواجد في ارض الوطن وتحايل بعض من هم في الخارج للحصول على ذلك ومن ثم العودة.
– البعض ومنهم اسماء نخبوية يعد المنفي قد عاش ويعيش في نعيم وبحبوحة بلاد المهجر سالماً آمناً ولا يحق له بالعودة لانه لم يتأزم و لم يجرب سنوات الطائفية وما اكتوى بنار التفجيرات والازمات.
 الا ان كل ذلك ليس سوى محاولات لتفتيت وتضييع مفهوم المواطنة وبالتالي لا إرادياً وبمرور الوقت ستوضع تقسيمات قسرية على شكل قوانين لا تعتمد الموضوعية ولا العقلانية وبالتالي تزيد من سلطة الداخل على الخارج وليس العكس، كل هذه التقنيات المانعة والمفرقة غريبة على الجمهور العراقي وستخلق طوائف اخرى غير الطوائف الدينية يمكن ان نسميها: طائفة الداخل وطائفة الخارج، وقد بدأت دورة الحياة العراقية ما بعد الدكتاتورية والصراع على النفوذ بانتاجها وصار البعض من هم في الداخل يتقوى وجودياً بها ولاحظنا وسجلنا وأرشفنا ذلك في كثير من الجدالات، وحتى لا نتهم باللاموضوعية فان بعض من المنفيين خارج العراق يروج لها باشكال مختلفة سلوكاً ظاهرياً أو يجسده على شكل كتابات وبالتحديد في وسائل التواصل الاجتماعي، ويتغذى من صراعاتها على شكل توهم يلخص بالعبارة التالية:ان هنالك خارج وهنا داخل او ماأطلقت عليه يوماً ما: المقبلون المدبرون.
 عمليات الطرد والمنع باستخدام وسائل مختلفة عبارة عن وهم قد تأسس باللاوعي من صراع شبيه بالصراعات السياسية القائمة بعد التغيير بدليل كان كل من في الداخل  يعد المنفى نوع من الخلاص وليس هروباً، لذلك المشروع قائم والكثيرون لحد هذه اللحظة يعده وسيلة خلاص من وضع طارد حسب الداخل وليس الخارج، اما حلم العودة الى امة العراق لا تمنعه كل هذه الرسائل حتى المفخخة منها ولا توقف رغبة الكثير من العراقيين وابنائهم في الرجوع الى حضن الوطن الام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان